هل الله يندم ؟

هل الله يندم ؟


في الواقع اعتدنا عند مناقشة هذا التناقض أن يتخذ صورة مختلفة. فكنا نسأل ” هل يندم الله … انه مكتوب في سفر صموئيل الاول أن الله يندم … فهل يندم الله؟ … فتكون اجابتنا هي … كلا بالتأكيد فمكتوب في سفر العدد أن الله لا يندم ونذكر الشاهد الذي تفضلت وذكرت … ولكن هنا الأمر مختلف قليلا فقد جاء الشاهدان على أساس أن الواحد يناقض الثاني … فهل بالفعل الكتاب المقدس يناقض نفسه …فماذا نفعل حتى نستطيع أن نعرف إذا كان هناك تناقض أم لا … علينا أن نعرف كيف جاءت في اللغة الانجليزية … ثم بعد ذلك نحاول أن نفهم سياق كل آية ووضعها في الجملة… مع الاهتمام بدراسة الاسلوب اللغوي الذي وضع فيه السياق. وربما اقتضت الحاجة أن نحاول أن ندرس معنى الكلمة في الأصل العبري… بعدها نرى … هل في هذه الآية تناقض … لنبدأ؟

 

المعنى المستخدم في الانجليزية
في الانجليزية وفي ترجمة “NIV” والتي تميل في ترجمتها الى التفسير والى تبسيط المعنى … يستخدم كلمتين مختلفتين تماما مما يجعلنا نستطيع أن نقول أنه لا يوجد أي شبهة تناقض في النصين في اللغة الانجليزية ففي سفر العدد يستخدم التعبير “Change his mind” وهي تعني يغير من فكره… فيكون المعنى المراد هو ليس الله ابن انسان حتي يغير من فكره …. بينما في صموئيل الاولى اصحاح 15:11 يستخدم الفعل “Grieved” وهو بمعنى حزن أو تألم ومن هنا نرى أن الفكرتين في اللغة الانجليزية بعيدة عن بعضهما البعض ولكن لا يجب أن نكتفي بهذا إذ علينا أن نرجع الى المعني الأصلي في اللغة العبرية لنتأكد من هذا الأمر

الأصل العبري
في الأصل العبري نجد أن التعبير العربي هو الأدق في الشاهدين … للأسف ليس عندي خطوط عبري بحيث انقلها ولكن في الشاهدين جاءت بمعنى يتأسف أو يندم …
وشرح هذه الكلمة كما جاءت في قاموس سترونج العبري كالتالي
OT:5162
nacham (naw-kham’ ; a primitive root; properly, to sigh, i.e. breathe strongly; by implication, to be sorry, i.e. (in a favorable sense) to pity, console or (reflexively) rue; or (unfavorably) to avenge (oneself):

KJV – comfort (self), ease [one’s self], repent (-Erin self,-,).

(Bibelot’s New Exhaustive Strong’s Numbers and Concordance with Expanded Greek-Hebrew Dictionary. Copyright © 1994, Bible soft and International Bible Translators, Inc.)

شرح السياق في الايتين
وهنا نجد أن شرح السياق في الآيتين يوضحان ما إذا كان هناك تناقض فكري مثلما يبدو في النص العربي ويؤيده النص الأصلي … أم أن السياق يزيل هذا التناقض من أساسه … ذلك السياق الذي جعل من النسخة التفسيرية الانجليزية ان تستغني عن كلمة يندم في الآيتين ووضعت بدلا منها “يغير من فكره ” في سفر العدد “ويتألم ويحزن” في سفر صموئيل الاول

سفر العدد23: 19
في هذا الجزء كان الحوار بين رجل من أعداء شعب الله اسمه بالاق وهو ملك مؤآب، كان يخاف من شعب اسرائيل كثيرا بسبب أنتصارات شعب الله القديم المتتالية فأراد أن يهزمه فأتى برجل يعبد الله من خارج شعب اسرائيل وقدم له رشوة حتى يلعن ذلك الشعب فينكسر أمام بالاق… لقد أراد بالاق أن يغير رأي الله وفكره بالنسبة لشعب الله… ورضي بلعام بهذا الامر نتيجة لعطايا بالاق الثمينة …. ولكنه كلما حاول أن يلعن الشعب كان لسانه ينطق بالبركة؟ … وعندما اعترض ملك مؤآب خرجت هذه العبارة ” ليس الله انسانا فيكذب ولا ابن انسان فيندم, هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟ أني قد أمرت أن أبارك ، فإنه قد بارك فلا أرده. لم يبصر إثما في يعقوب (يقصد شعب الله القديم) ولا رأى تعبا في اسرائيل” سفر العدد23: 19- 20
وهو هنا يقصد أن الرب وعد بالبركة اذا كان شعب اسرائيل لا يحيد عن وصايا الله … واسرائيل في ذلك الوقت لم يخطئ في حق الله، فلن يتنازل الله أبدا في تنفيذ وعوده للشعب … لأنه ليس كالانسان يغير من وعوده أو يرجع عن أفكاره

***

والواقع نجد أن مؤآب استفاد من هذه المعلومة كثيرا فنجد أنه يضحك على شعب اسرائيل في الاصحاح الخامس والعشرين من نفس السفر فيجعل الشعب يزني مع بنات مؤآب الامر الذي جعل من السهل على بني اسرائيل أن يسجدوا للبعل مثل بنات مؤآب مما جعل الله يغضب من اسرائيل ويحكم بالموت على كل من سجد للأوثان (اقرأ سفر العدد الفصل 25: 1- 5) 

لنقرأ سفر صموئيل وبعدها نرى هل يوجد تناقض في المفهوم؟
• سفر صموئيل الأول: 15: 11
يقول النص : ” وكان كلام الرب الى صموئيل قائلا: ندمت على أني قد جعلت شاول ملكا، لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي………….. فقال صموئيل : هل مسرة الرب بالمحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب؟ هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والاصغاء أفضل من لحم الكبش” (صموئيل الأول 15: 10- 11، 22)
والقارئ للنص كله يجد أن الله لم يندم (كتعبير الكتاب المقدس) على جعل شاول ملكا الا لسبب واحد هو عدم الطاعة… طاعة الله. هذا التأسف الذي هو قاعدة اساسية في العلاقة مع الله… الله يعد ببركة أو بوظيفة أو بأرض بشرط واحد … هو عدم التمرد، عدم العصيان، عدم السجود لآلهة غريبة. والله يفي بوعده تماما … ولكن ما أن يبدأ الانسان في التمرد والعصيان وعدم الطاعة حتى يفقد كل الميزات التي يحصل عليها من قبل الله … فالمشكلة ليست في الله ولكن في الانسان

لنقارن فكر النصين … هل هناك اختلاف بسبب اللفظ؟ … هل تغيرت صفات الله على الرغم أنه هنا موصوف بأنه يندم وهناك موصوف بأنه لايندم؟
الاجابة الحتمية هي : لا … وبوضوح
فالبركة لم يفقدها شعب اسرائيل طوال بقائهم في خضوع الله ومخافته، وفقدوها بمجرد أنهم زنوا وراء آلهة غريبة عدد 25
والملك لم يفقده شاول طوال طاعته وبقائهم في خضوع لله، وفقدها بمجرد أن تمرد على الله

وهنا نقول أنه لا تناقض في السفرين
والدليل على ذلك :
1- الشرح الانجليزي للمعاني والتي توضح معناها في سياق الآيتين
2- سياق القصص المكتوبة والتي توضح تطابق المفهوم في الحادثتين بوضوح

الاستنتاج النهائي :
الله رجع عن البركة في سفر العدد 25 عندما تخلى شعب اسرائيل عن طاعته لله, والله رجع عن نعمة الملك لشاول عندما لم يطع الله. سياق واحد ورد فعل واحد لإله واحد في كتاب لم يناقض نفسه أو فكره الذي يقدمه للبشر.

***

ولكن نضع تساؤل بسيط : هل الله يندم
والاجابة هي أن الكتاب المقدس كثيرا ما يضفي بعض صفات البشر على الله حتى يقرب المعنى للقارئ والمستمع. لذلك فمعنى الندم هنا هو التأسف، والرجوع عن بركة أو عطية كانت معطاه بسبب تمرد الانسان

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: