الملك الذي أحرق أبناءه أحياء

آحاز

(2 مل 16، 2 أخ 28، إش 7-12)
الملك الذي أحرق أبناءه أحياء


كثيرًا ما نسمع العبارة التي تقول «لا يهم ما يؤمن به الإنسان، طالما انه يؤمن بشيء ما». ولكن ياله من قول غير منطقي، وحيث أن العقيدة تؤثر في السلوك، فمن الأهمية بمكان أن نؤمن بالعقيدة الصحيحة، لأن العقيدة تشكِّل الشخصية. إن آحاز الذي عُيِّن ملكًا بنعمة الله، لم يعبد إله السماء، كما كان يجب أن يفعل كيهودي، بل عبد مولك، إله عمّون، الذي بني له سليمان معبدًا.

كان وادي ابن هنوم البقعة التي كانت تشهد طقوسًا وحشية تكريمًا للأله الوهمي الذي دعاه جون ملتون «مولك، الملك القاسي، الملطخ بالدماء» في وادي ابن هنوم كانت العادة المخيفة لحرق الأطفال أحياء تنفَّذ هناك، وكان يبدو أن آحاز ملك يهودي يقدم مثل هذه الذبيحة المرعبة «أحرق بنيه بالنار» يقول (اليكوت) تعليقاً على هذه الذبيحة الإنسانية «إنه، بلا شك، كان يعتبر ذلك الملاذ اليائس ضد الظلم الذي عانى منه من قبل أعدائه في الشمال … فمثل هذه الذبائح المرعبة كانت تقدم فقط في حالات الضرورة القصوى». إن ملك موآب قدم ابنه محرقة (2 مل 3: 27). وفي أوقات الكارثة القومية الحالكة السواد، كان العبرانيون، مثل جيرانهم، مدفوعين كرهًا لطلب العون بممارسة نفس هذه الطقوس المرعبة (انظر منسى، 2 أخ 33: 6، وايضًا مز 106: 37 – 39).

لا شك أن آحاز شعر أن مثل هذه الذبيحة البشرية يمكن أن تخفِّف من غضب الإله الذي ينوي تدميره، ولو كانت كل ثقته في إله النعمة والرحمة، لاختلف سلوكه تمامًا، ولكان الأثر الذي تركه كملك، تأثيرًا صحيًا وليس شريرًا.

اعتلى يوثام بن آحاز العرش في سن العشرين أو نحو ذلك، وملك لمدة 16 سنة. وقد اشتهر بأنه كان أشر ملوك يهوذا وأكثرهم وثنية، ويطلق عليه أيضا اسم يهوآحاز.
وإذ كان شابًا وذا إرادة قوية، فقد قصد أن يبيًِن كيف أنه لا يتأثر بنفوذ والديه. وهكذا، ففي بداية حكمه، أراد أن يُعرف عنه، أنه مقاوم تمامًا للتقاليد الدينية لأمته، ولذا فقد ابتدأ بصنع وتوزيع مسبوكات لتماثيل الإله الكنعاني وإحياء العبادة المكروهة لملوك.

وبإغلاقه للهيكل وتوقف العبادات التي رتبها الله، وإقامة المعابد الوثنية، يكون آحاز قد بدأ يحكم بطريقة تؤدي لوقوع الكارثة. كان عزو رصين ملك دمشق، وفقح ملك السامرة، يعني كارثة خطيرة على مملكة يهوذا، وفي نفس الوقت لم تنجح مؤامرة الاطاحة بآحاز، وبالرغم من أن تقدم الملكين كان بلا نجاح، إلا أن اليهود قد أجبروا على الانسحاب من إيله على البحر الأحمر (2 مل 16: 6).

يقول السجل المقدس إن 120,000 رجل من يهوذا قد قتلوا، وأن 200,000 أخذوا أسرى على يد فقح. فلا عجب أن قلب آحاز وقلوب شعبه رجفت كرجفان شجر الوعر قدام الريح (إش 7: 2)! لجأ آحاز في وقت شدته إلى ملك إسرائيل طلبًا للمعونة، وليس إلى الله كما فعل ابنه حزقيا عندما هدده سنحاريب.

واجه إشعياء النبي ذلك الملك الشرير المستهتر مرتين، وهو يقدم له رسائل صادقة. ولكنها قوبلت بالاحتقار. كان آحاز يبحث عن العون من أشور وليس من السماء. قيل عن ملك أشور أنه «سمع له (لآحاز)»، ولكننا نقرأ أيضا أنه ّ«ضايقه ولم يشددّهّ»(2 مل 16: 9، 2 أخ 28: 20). وكلا هاتين العبارتين المتناقضتين صحيحتان.

إن ملك أشور ساعد آحاز فعلا، فقد أخذ دمشق وخلّص آحاز من قوة السوريين. ولكن هذه الخدمة كانت ذات فائدة قليلة، لأن ملك أشور لم يساعد آحاز ضد الأدوميين أو الفلسطينيين، وضايقه بأخذ الخزائن الملكية وكنوز الهيكل، ولم يقدم له سوى خدمة ضئيلة مقابل هذه التضحية العظيمة.

يقول الأسقف هورن: «إن التناقض الظاهري يمكن توضيحه بما حدث في بريطانيا. فالبريطانيون دعوا الساكسونيين لمساعدتهم ضد الاسكتلنديين والبكتيين، وبناء على ذلك جاء الساكسونيين وساعدوهم لبعض الوقت، ولكن في النهاية جعلوا أنفسهم سادة البلاد».

إن التحالف مع تغلث فلاسر زاد من متاعب آحاز، وجعل مملكته أقرب ما تكون الى الانهيار، ولو أنه اتبع نصيحة إشعياء، لحدث الصدام بين الأعداء، واستعادت يهوذا حريتها. كانت المأساة تتمثل في أنه كلما اشتدت الوطأة على آحاز، ازدادت خطيته. «وفي ضيقه زادت خيانته للرب».

كانت ممارسات آخاب التي تتفق مع طبيعته وهي في نفس الوقت، ممارسات شريرة، تتضمن عمل مزولة، وإقامة مذبح دمشق، وهو مذبح وثني ذو نمط غريب، كانت تقدّم عليه الذبائح. إن الشرور الأخرى وأعمال الارتداد التي انغمس فيها، جلبت عقابًا مستحقًا ، وأشعل عداوات أخرى من الأعداء المجاورين، وهكذا فبعد 16 سنة من إساءة استخدام آحاز للقوة، مات غير مأسوف عليه، وفي حين أن جسده دُفن في اورشليم، إلا أنه لم يكن من الملائم أن يُدفن في المقابر الملكية.

ولكن حقيقة أن النعمة تسود على الشر، يتضح في حقيقة أن آحاز يظهر في سلسلة نسب يسوع (مت 1: 9).

ومن المستحسن أن نختتم تأملاتنا في آحاز بالموجز الذي يقدمه الأسقف رولنسون:
«ترك آحاز خلفه سمعة بأنه من بين أردأ الملوك، إن لم يكن بالفعل أردأهم على الاطلاق من كل رؤساء بيت داود. لم تكن لديه الشجاعة ولا الوطنية ولا الطاقة ولا الفطنة ولا التقوى ولا حتى أي اعتبار لتقاليد بيته وأمته. حذره إشعياء دون جدوى، ووبخه وقدم له آيات، وهدده، وحثَّه أن يعتمد على الرب، ولكنه اتبع طريقه بعناد، وطلب العون من كل اتجاه سوى من الاتجاه الصحيح، ووضع ثقته في أسلحة الجسد، أو في آلهة الأمم، ولم يأبه لكونه قد سبب الهوان لبلده، وحط من قدر سلالته النبيلة، وأصر على فعل الشر، بل عصى أكثر وأكثر حتى قطعه الله من أرض الأحياء في ربيع حياته».

ولمثل ملك شرير كآحاز، قدم إشعياء النبوة عن مجيء عمانوئيل (إش 7: 14)، الشخص الذي يطهر أكثر الخطاة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: