تحريف الكتب المقدسة

تحريف الكتب -المقدسة-


منذ بداية الإسلام اعتلى المسلمون خيولهم لفرض إسلامهم على الغير، ثم عندما تم لهم ذلك وترجلوا عن تلك الخيول، ركبوا خيول الغرور وزعموا أن إلههم هو الوحيد الجدير بالعبادة وأن قرآنهم هو الكتاب الوحيد “المقدس” لأن الإنجيل والتوراة محرفتان، وبقية كتب الديانات الأخرى ما هي إلا كتب فلسفة فقط. فهل هم على حق؟ سوف أحاول في هذا المقال أن أثبت لهم إذا كانت التوراة محرفة، فيتبع من ذلك أن كتابهم كذلك محرف، وعليهم النزول من على صهوات تلك الجياد.


من المعروف لدينا الآن أن كل الكتب “المقدسة” قد كُتبت بعد عقود أو قرون من موت الأنبياء الذين أتوا بها، ففي تلك الأزمان الغابرة كانت الكتابة عملة نادرة يمتلكها القليلون من الكهنة، وتُكتب على ألواح من طين وتجفف في الشمس، أو تكتب على عظام الكتف والحوض. فالتوراة كُنبت بعد حوالي خمسمائة سنة أو أكثر من موت موسى، وأول إنجيل كتب بعد حوالي خمسين سنة أو أكثر من صلب يسوع، وكذلك القرآن جُمع بعد حوالي خمسين سنة أو أكثر من موت محمد.

وكانت المصاحف الأولى غير منقطة مما أدى إلى تغيير كلمات عديدة سوف أذكر بعضها في متن المقال. ولم يظهر المصحف الحالي إلا بعد أن أعاد كتابته الحجاج بن يوسف بإيعاز من الخليفة عبد الملك بن مروان وقام بالتنقيط يحيى بن يعمر أبو سليمان الليثي البصري، الذي توفي عام ثمان وتسعين هجرية (1). وقيل نقطه أبو الأسود الدؤلي، وقيل الحسن البصري.

فحتى بداية القرن الثاني للهجرة كانت قراءة القرآن عبارة عن تخمين لأن الحروف غير المنقطة أو المنونة جعلت الكلمة الواحدة تتقبل عدة تخمينات، بالإضافة إلى أن المصحف الواحد كان يشترك في كتابته عدة أشخاص. ولأن خط اليد يختلف من شخص لآخر، ولأن مقدرتهم الكتابية تختلف، فقد قرأ القراء بعض الكلمات المكتوبة قراءة خاطئة، فمثلاً، (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) (البقرة 61)، فلا شك أن كلمة “فومها” كانت “ثومها” ولكن لأن الحروف غير منقطة والخط غير واضح، قرأها أحدهم “فومها“. وإذا أزلنا النقاط والهمزة من كلمة “قثائها” يمكن أن نقرؤها “فتاتها” وهكذا. فاحتمال تغيير كلمات القرآن وارد في كل آية.

وقصة جمع عثمان للمصحف قصة لا يمكن تصديقها إذ أن أقدم نسخة من المصحف معروفة للمؤرخين الآن هي النسخة الموجودة في متحف بيترسبيرغ في روسيا وترجع إلى القرن الثامن الميلادي، أي بعد حوالي مائة سنة من موت محمد. فلو كان عثمان قد كتب خمسة أو ثمانية مصاحف، كما تقول الرواية، ووزعها على عواصم الأمصار، لماذا لم نعثر على تلك المصاحف غير المنقطة حتى الآن؟

ومما يُثبت أن عثمان لم يجمعه هو وجود قطعة جلد بمكتبة الفاتيكان بروما عليها آيات قرآنية غير منقطة، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن عمر تلك القطعة من الجلد هو 1250 سنة، أي أكثر من مائة عام بعد وفاة محمد، كما أوضح الدكتور أحمد زكي يماني (2). وقد استنتج د. يماني أن بعض كتاب الوحي الأمويين قد احتفظوا بالجلود التي كانت معهم ولم يجمعوها مع ما جُمع من القرآن في الدولة الأموية. ثم أن هناك الصحائف اليمنية التي عثروا عليها في سقف أحد المساجد في اليمن في الثمانينات من القرن المنصرم وبها قرآن يختلف عن مصحف عثمان، فاحتفظت بها السلطات اليمنية طويلاً، وأخيراً بعد الضغط من الجامعات العالمية سمحوا لبعض المستشرقين الألمان بدراسة بعضها، وعرفنا منهم أن القرآن الذي بها يختلف عن المصحف الحالي.

وأي كتاب يحمله المؤمنون به في رؤوسهم أو في صدورهم كما يقول القرآن (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) كل هذه السنوات قبل أن يكتبوه، لا يمكن أن يكون نسخة طبق الأصل مما أتى به الأنبياء. فالروايات الشفهية تتغير رغم أنف رواتها ومهما حاولوا الحفاظ عليها. وهذه طبيعة ذاكرة الإنسان. فإذا كان هذا التغيير غير المتعمد يُعتبر تحريفاً، فكل الكتب “المقدسة” محرفة.

بالنسبة للإسلام، وبعد أن باءت كل محاولات محمد لأسلمة اليهود بالفشل، بدأ الهجوم القولي والفعلي على اليهود وزعم المسلمون أن اليهود حرفوا التوراة بغرض حذف اسم محمد منها. ولو كان هذا هو السبب الرئيسي لتحريف التوراة، فيكفي أن يحذفوا الآية التي تبشر برسول العرب، إن كانت هناك آية بهذا المعنى.. وليس هناك أي سبب منطقي آخر يجعل اليهود الذين آمنوا بموسى وخرجوا معه من مصر وظلوا تابعين له أربعين سنة في الصحراء وهم تائهون، يحرّفوا كتابهم عمداً.

وإذا افترضنا أنهم حرّفوا التوراة، فهم لا شك فعلوا ذلك لحذف بعض العقوبات الصارمة عليهم، أو لإباحة بعض الإشياء التي حرّمها الله عليهم، أو لتحريم ما كان الاحبار يرونه غير لائق باليهود. ولكن بالرجوع إلى التوراة الآن نجد كل شيء حرّمه الإسلام محرّم في التوراة، بل زادت عليه، وأغلب أحكام القصاص القرآنية هي نفسها الأحكام التوراتية، فماذا استفاد اليهود من تحريف التوراة؟ ليس هناك من مصلحة لهم في تحريفها.

يقول ابن قيم الجوزية (فالأئمة الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بختنصر على دم واحد ، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس ، ولم تكن التوراة محفوظة على ألسنتهم ، بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلاً من التوراة.) (هداية الحيارى، ص 108).

أليس هذا ما حدث مع المسلمين في روايات جمع القرآن عندما حاول زيد بن ثابت جمع القرآن، فكان يأتيه الرجال، كلُ بما حفظ من آيات؟

ألم يقل زيد بن ثابت أنه بحث عن آخر آيتين في سورة التوبة فلم يجدهما إلا عند خزيمة بن ثابت، وعندما أتى بهما خزيمة ولم يكن معه شاهد قال ابن عباس إن الله جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين؟

فلم يكن هناك من يحفظ كل القرآن، بل كان كل واحد يحفظ ما تيسر له. حتى ابن مسعود، الذي طلب الله من محمد أن يقرأ له القرآن، كما تقول كتب التراث، قال إنه حفظ من النبي سبعين سورة فقط (3). واغلب هذه السور كانت السور المكية القصيرة، والقرآن به مائة وأربع عشرة سورة. وعمر بن الخطاب تعلم البقرة في اثنتي عشرة سنة (4). فهل كان بإمكانه أن يحفظ كل القرآن في حياة النبي، مع العلم أن النبي عاش أقل من عشر سنوات بعد نزول سورة البقرة؟ وإذا لم يحفظ عمر كل القرآن، فمن من الصحابة كان يمكنه حفظه؟

فلماذا يزعم المسلمون أن التوراة محرفة وقرآنهم لا يطاله التحريف؟ هم بالطبع يعتمدون على الآية التي يرددونها دون ملل، وتقول: (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر 9). فهل الذكر هو القرآن فقط؟ فتعالوا نقرأ هذه الآية (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ( الأنبياء 105). والمعروف أن الزبور هو كتاب داود الذي أتى بعد موسى. فإذاً قوله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) يعني أن الذكر في هذه الآية هو الكتاب الذي سبق ظهور داود، أي التوراة، أو يكون الذكر هو اللوح المحفوظ في السماء. فإاذا كان هو اللوح فلا القرآن ولا التوراة يكون ذكراً. قال أبو هريرة (إن الزبور هو ما أنزل على داود، و”من بعد الذكر” يعني التوراة) (5).

وقال نوح لقومه (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون) ( الأعراف 63). وقال القرآن عن قوم عاد (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) (الأعراف 69). وقال القرآن كذلك عندما خاطب محمد (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء 7). واتفق جميع المفسرين أن أهل الذكر هم أهل الكتاب. فإذاً عندما قال إله القرآن إنه سوف يحفظ الذكر، فهو لا بد قصد التوراة والقرآن وكذلك الإنجيل.

والقرآن يقول (ولا مبدل لكلمات الله) (الأنعام 34). ويقول كذلك (لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا) (الكهف 27). وقال كذلك (لا تبديل لكلمات الله) (يونس 64). ونفس القرآن يقول للمسلمين (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أُنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيدا) (النساء 136). فالمسلمون مأمورون أن يؤمنوا أن التوراة هي كلام الله، ولا مبدل لكلمات الله، فكيف يقولون إن التوراة محرفة؟

ولتفادي هذه المشكلة، يقول الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي، الشهير بابن الجزري: ((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله) فوكل حفظ التوراة إليهم فلهذا دخلها بعد أنبيائهم التحريف والتبديل.)) (6). فحتى لو أوكل الله لليهود حفظ التوراة، كان عليه أن يمنع تحريفها لأنه قال (ولا مبدل لكلمات الله).

وإذا كانت التوراة قد حُرفت في زمن السبي البابلي، كما يزعمون، فلا شك أن الله كان عالماً بهذا التحريف. ولكنه عندما أنزل القرآن على محمد قال، عندما خاطب اليهود: (وآمِنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ) (البقرة 41). فحتى وقت نزول سورة البقرة كان الله يعتقد أن التوراة غير محرفة، لذلك قال لليهود: آمِنوا بما أنزلت لأنه مصّدق لما معكم. فلو كانت التوراة وقتها محرفة، وكان الله عالماً بذلك، لقال لهم: آمنوا بما أنزلت لأنه مصدقٌ لما كان معكم.

وكرر لهم في سورة النساء التي نزلت بعد سورة البقرة (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً) ( النساء 47). ألا يكفي هذا التأكيد بأن التوراة وقت نزول القرآن لم تكن محرفة؟

وللتأكيد على أن التوراة لم تكن محرفة، يقول القرآن (إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) (المائدة 44). يقول القرطبي في تفسيره:(يحكم بها النبيون، قيل النبيون هم محمد وعبّر عنه بلفظ الجمع، وقيل كل من بُعث بعد موسى.) انتهى.

فهل يمكن أن يأمر الله محمد أن يحكم بالتوراة وهو يعلم أنها محرّفة؟ الجواب حتماً بالنفي. ومحمد قد حكم بالتوراة عندما رجم المرأة والرجل اليهوديين عندما زنيا، كما تقول كتب التراث. وهذه الآية تضعنا أمام مشكلة عويصة: فإما أن الله لم يكن يدري أن التوراة محرفة ولذلك أمر محمد أن يحكم بها، أو أن التوراة ليست محرفة.

وماهو التحريف الذي أدخله اليهود على التوراة؟

يقول القرآن (وإنّ منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) (آل عمران 78). ولاحظ هنا أن القرآن يقول إن هناك فريقاً من اليهود يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي يغيرون النطق فقط، ولا يعني هذا أنهم غيروا في التوراة نفسها. وحتى هولاء كانوا فريقاً من اليهود، وليس اليهود كلهم. ولتوكيد هذا الفهم يقول القرآن (منَ الذِينَ هادواْ يُحَرِّفون الْكَلِمَ عَن َمواضعه ويقولون سَمِعنَا وعصينَا واسمع غَير مسمعٍ وراعِنَا لَيا بِأَلْسنَتهِم وطعنا فِي الدّينِ ولَو أَنَهم قَالُواْ سمعنَا وأطَعنَا واسمع وانظرنَا لَكَانَ خيرًا لَّهمْ وأقوم وَلَكِن لَعنَهم اللّهُ بِكفرهِمْ فَلاَ يؤمنون إِلاَّ قَلِيلاً) (46 النساء). فكل تحريفهم الذي اتهمهم به القرآن أنهم كانوا يقولون “سمعنا وعصينا” بدل “سمعنا وأطعنا”. وكانوا يقولون “راعنا” ويقصدون أن محمد أرعنٌ. فهل يُعتبر هذا تحريفاً للتوراة؟

يقول القرآن إن هناك فريقاً من بني إسرائيل ظلموا وبدلوا ما قيل لهم (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون) (الأعراف 162). فماذا فعل الله بالذين ظلموا؟ أرسل عليهم رجزاً كما أرسله على قوم عاد فأبادهم. فالذين غيروا فيما قيل لهم أهلكم الله. فهل هناك حفظ للتوراة أكثر من هذا؟

بل يمكن أن نقول إن الله حفظ التوراة أكثر مما حفظ القرآن، لأن بعض الناس غيروا في آيات القرآن ولم يرسل عليهم رجزاً من السماء.

وخلاصة القول هي أن التوراة ذكر كما القرآن ذكر وأن إله القرآن قال إنه أنزل الذكر وإنه حافظ له. فإذا تمكن اليهود من تحريف التوراة رغم وعد إله القرآن، فكذلك تمكن المسلمون من تحريف القرآن. ولن أتعرض هنا لما قاله غلاة الشيعة من أن جماعة السقيفة قد حرفوا القرآن وحذفوا منه الآيات التي تقول بولاية عليّ. ولكن سوف أقدّم سورة هنا اسمها سورة الحفد،

تقول سورة الحفد: (بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجورحمتك إن عذابك بالكفار ملحق‏). فهذه السورة ليست في المصحف العثماني، وهذا يتركنا أمام خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول: هذه السورة كانت من القرآن وسقطت عنه، وبالتالي القرآن قد أصابه التحريف. والخيار الثاني: هذه السورة ليست من القرآن ولكنها تثبت أن البشر يمكن أن يأتوا بقرآن لا يقل روعة في النظم عن قرآن الله. فعلى المسلمين أن يختاروا.

ثم أن هناك اختلافاتٍ عديدة في القرآن لم يستطع المفسرون الالتفاف حولها فزعموا أن النبي عندما واجهه عمر وابن مسعود وغيرهما بقراءات مختلفة عما كان قد لقنهم من القرآن، قال لهم إن القرآن نزل بسبعة أحرف للتيسير على المسلمين. واحتار الفقهاء في مسألة الحروف السبع، وحاولوا كل شيء ممكن، فقالوا هي لغات القبائل الأخرى، وقالوا غير ذلك كثير. غير أن الاختلاف لا ينحصر في طريقة نطق الكلمات حتى نقول إنها لهجات القبائل. ولا تنحصر قبائل العرب في سبعة، فلماذا اختار الله سبعةً منها؟ ثم أن القراءات المختلفة وصلت عشرين واكثر، فما معنى الحروف السبعة؟

وكما تقول الروايات فإنّ عثمان أحرق جميع المصحاف المختلفة عن مصحفه وجعل القراءة على حرف واحد. فكيف يُلغي عثمان ما أنزله الله رحمةً بعباده وتخفيفاً لهم؟ حقيقة الأمر أن محمد كان يُلقن الناس في فترات مختلفة قراءات مختلفة لنفس الآيات لأنه من الصعب حفظ الآيات المتشابهات، وعندما اكتشف الأمر زعم أن الله أنزل القرآن بسبعة أحرف. ولأن محمد لقن الناس آيات مختلفات حسب ما تذكر كتب التراث، كتب ابن مسعود في مصحفه القرآن الذي سمعه من محمد وكان هذا القرآن مختلفاً عن المصحف الذي جمعه عثمان، كما تقول الروايات. ولذلك عندما حاول عثمان جمع المصاحف الأخرى وحرقها، رفض ابن مسعود تسليم مصحفه فضربه عثمان وكسر ضلعه (7).

وكمثال لمبالغة المسلمين في أقوالهم عن حفظ القرآن من التحريف، نورد ما قاله السيد عبدالله اسكندر المالكي (ومن هنا يظهر الإعجاز الذي لا يبارى والذي دحضتُ به حجة من أراد النيل من هذا الكتاب. لأنهم ليس لهم نصيباً {هكذا وردت} من تغيير حتى حركة واحدة من القرآن الكريم فضلاً عن الحرف فضلاً عن الكلمة فضلاً عن الآية….. الخ.) (8).

وكي نثبت للسيد الماكي خطأ ما قال نورد له بعض القراءات التي غيرت الحروف، والحركة، بل الكلمات. ففي القراءات المختلفة نجد أن القراء اختلفوا في ( لسحرٌ مبين) (يونس 2)، فقرأ حمزة والكسائي وخلف ( لساحرٌ مبين) بألف بعد السين وكسر الحاء، ووافقهم ابن كثير وعاصم وقرأ الباقون بكسر السين وإسكان الحاء من غير الف فصارت سِحرٌ. وهناك طبعاً اختلاف كبير بين كلمة “سحرٌ” و “ساحرٌ” . فهذا تغيير لكلمات الله والقرآن يقول لن تجد لكلماته تبديلاً.

وكذلك نجد في سورة يونس (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار) بينما قرأ آخرون (ويوم نحشرهم). والسبب في هذا الاختلاف هو أن القرآن لم يكن منقطاً فتشابهت الكلمات غير المنقطة، فقرأ بعضهم “نحشرهم” وقرأ آخرون “يحشرهم”.

وفي الآية (فجاسوا خلال الديار) (الإسراء 5)، قرأ بعضهم “فحاسوا” بالحاء بدل الجيم. وفي الآية (وقضى ربك) (الإسراء 23) قرأ بعضهم “وصى ربك” وفي يونس 92 (اليوم ننجيك) قرأ بعضهم “ننحيك” (9)

ونجد في القرآن آيات قالها أشخاص، وليس هناك أي دليل أنها من القرآن، (وقال ابن سعد في الطبقات‏:‏ أخبرنا الواقدي حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال‏:‏ حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى ، ثم قطعت يده اليسرى فحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهويقول ‏ {‏وما محمد إلا رسول‏ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم}، ثم قتل فسقط اللواء‏.‏ قال محمد بن شرحبيل‏:‏ وما نزلت هذه الآية يومئذ حتى نزلت بعد ذلك‏.). أي بمعنى آخر لم تكن هذه الكلمات في القرآن، فاختلط الأمر على الناس فيما بعد وجعلوها آيةً من القرآن. وهذه الرواية تعني أن القرآن ليس كله كلام الله. ولذلك عندما مات محمد وزعر الناس، بما فيهم عمر بن الخطاب الذي حلف ليقتلن كل من قال بموت محمد، وعندما جاء أبو بكر وقال (ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) قال عمر (والذي نفسي بيده ما علمت هذه الآية حتى قالها بو بكر.) فكيف نصدق أن عمر لم يكن يعرف أن هذه الكلمات هي آية من القرآن؟

والدليل الآخر على أن هذه الكلمات ليست آية قرآنية هو أن الله لايمكن أن يقول عن محمد (أفإن مات أو قُتل) لأن الله كان يعلم أن محمد لن يقتل لأنه قال له في القرآن (والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) (المائدة 67). فلا يمكن أن يؤكد له أنه قد عصمه من الناس فلا يضرونه ثم يقول (إن قُتل)، لأنه كان يعلم أنه لن يُقتل.

فالقرآن ذكر مثله مثل التوراة، بل كلمة “التوراة” نفسها قد تعني القرآن (يُعبر بلفظ القرآن عن الزبور ، وبلفظ التوراة عن القرآن ، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضاً وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : خفف على داود القرآن فكان ما بين أن تسرج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن، فالمراد به قرآنه وهو الزبور) (10). وبما أن التوراة قد تعني القرآن، فقول المسلمين إن التوراة محرفة يعني كذلك أن القرآن محرّف.

يقول الدكتور حسن كامل، أستاذ الفقه الإسلامي بالأزهر: (إن الأديان الثلاثة تتفق في الضروريات، وهي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ الدين) (11). فكيف يشترك اليهود مع المسلمين في حفظ الدين ومع ذلك يحرفون كتابهم؟

وعلى كلٍ فإن الكتب “المقدسة” مجهود بشري يعتريه ما يعتري كل مجهودات الإنسان من أخطاء وتغيير، فليس هناك من كتابٍ يحتوي على كلمات الله. وإنما أردت من هذا المقال إقناع المسلمين أن كل ما حدث للذين من قبلهم حدث لهم كذلك، كما في الحديث (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذْوَ النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة) (12). فهلا ترجّل المسلمون عن صهوات جياد الغرور وعاملوا الآخر كما يحبون أن يعاملهم الآخر؟

———

الهوامش والمراجع

(1) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين بن تغري بردي، ج1، ص 103

(2) إيلاف 17/6/2005

(3) تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 142

(4) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، سورة البقرة

(5) لسان العرب لابن منظور، ج4، حرف الراء، فصل الزاي المعجمة

(6) النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج1، ص 6

(7) تاريخ اليعقوبي، ج2، ص 167، دار صادر، بيروت

(8) إيلاف 3/8/2008

(9) انظر كتاب النشر في القراءات العشر لابن الجزري

(10) هداية الحيارى لابن القيم، ص 80

(11) إيلاف 15/12/2008

(12) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج4، آل عمران 103

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: