هل المسيح إبن الله وما الفرق بينه وبين الذين دعوا بأبناء الله من الملائكة والبشر؟

هل المسيح إبن الله وما الفرق بينه وبين الذين دعوا بأبناء الله من الملائكة والبشر؟

مقدمة

زعم نقاد المسيحية وكتابها المقدس أن المسيح، ابن الله، هو مجرد نبي فقط ورسول من البشر، وأن لقب ابن الله، بالنسبة له، لا يعني بالضرورة أنه ابن الله بمعنى حقيقي، بل هو ابن الله بمعنى مجازي، بدليل أن إنجيل لوقا يقول عن آدم ” ابن الله ” (لو3: 38)، والعهد القديم يصف الملائكة والبشر بأبناء الله؛ ” قدموا للرب يا أبناء الله ” (مز29: 1). ” من يشبه الرب بين أبناء الله ” (مز89: 6). ” عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله ” (أي38: 7). كما قال الرب يسوع المسيح ” طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون ” (مت5: 9). وقال عن الذين يقومون من الأموات، في اليوم الأخير، أنهم ” أبناء الله إذ هم أبناء القيامة ” (لو20: 36). وقال الكتاب أن المسيح يجب يموت ” ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ” (يو11: 52)، وقال القديس بولس بالروح ” لان كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ” (رو8: 14)، وأن المؤمنين هم ” أبناء الله الحي ” (رو9: 26). ” لأنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ” (رو9: 26). والمسيح نفسه قال عن الله ” أبى وأبيكم وإلهي وإلهكم ” (يو17: 20).

والسؤال الآن هو: هل المسيح هو ابن الله الذي من ذات الله وفي ذات الله وابن الله الوحيد والواحد مع الآب بالحقيقة؟ أم أنه ابن الله بمعنى مجازي كقوله ” آدم ابن الله “؟

(1) بنوة الابن للآب حقيقة أم مجازاً؟

تكلم الرب يسوع المسيح عن الله الآب باعتباره آب الجميع وعلم تلاميذه أن يخاطبوه في الصلاة قائلين ” أبانا الذي في السموات ” (مت9: 6) ودعاه ب ” أباكم “(مت6: 5) و” أبيكم ” (مت10: 6) و” أبوكم ” (مت26: 6) و” أبوك ” (مت6: 6) و” صل إلي أبيك ” (مت6: 6) و” أبى وأبيكم وإلهي وإلهكم ” (يو17: 20). وقد زعم أحدهم أن الرب يسوع المسيح قال هذه العبارات في الإنجيل للقديس متى وحده ثلاث عشرة مرة وذلك قبل المرة الأولي التي قال فيها ” أبى “. ويكرر قائلاً في مغالطة واضحة ” أنها ثلاث عشرة مرة مقابل مرة واحدة. أي الكفتين أرجح؟ “. ولكن الرب يسوع المسيح كرر عبارات ” أبي ” عن علاقته هو بالآب في الإنجيل للقديس متى خمسة عشر مرة “(1)، كما استخدم عبارة ” الآب ” خمس مرات، أي استخدم كلمتي ” أبي ” و ” الآب ” عن علاقته بالآب 20 مرة وليست مرة واحدة فقط كما يزعم، كما تكررت عبارتا ” أبي ” و ” الآب ” في الأناجيل الثلاثة الأخرى مرات كثيرة، وتكررت كلمة ” أبي ” في الإنجيل للقديس يوحنا ثلاثين مرة(2). كما تكررت كلمة الآب عن الرب يسوع المسيح كالابن في علاقته بالآب في الأناجيل الأربعة خمساً وتسعين مرة. وعلى سبيل المثال أنظر قوله: ” لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ “. قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: ” يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا “. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ” أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالاِبْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئاً بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ ” (يو14: 7 -11).

كما تحدث الكتاب المقدس بعهديه عن ملائكة وبشر دعوا أبناء الله فما حقيقة ذلك؟ وهل بنوة المسيح لله بنوة حقيقية أم بنوة مجازية؟ وهل هي مثل بنوة البشر والمخلوقات أم هي بنوة جوهرية حقيقية؟


(1) † ” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ” (مت7 :21).

† ” فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذي في السموات ” (مت10 :32).

† ” ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السموات ” (مت10 :33).

† ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس احد يعرف الابن إلا الآب. ولا احد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت11 :27).

† ” لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي ” (مت12 :50).

† ” فأجاب وقال كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع ” (مت15 :13).

† ” فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا. أن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي في السموات ” (مت16 :17).

† ” انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار. لأني أقول لكم أن ملائكتهم في السموات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات ” (مت18 :10).

† ” وأقول لكم أيضاً أن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل أبي الذي في السموات ” (مت18 :19).

† ” فهكذا أبي السماوي يفعل بكم أن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته ” (مت18 :35).

† ” فقال لهما أما كاسي فتشربانها وبالصبغة التي اصطبغ بها أنا تصطبغان وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين اعدّ لهم من أبي ” (مت20 :23).

† ” وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما احد ولا ملائكة السموات إلا أبي وحده ” (مت24 :36).

† ” ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ” (مت25 :34).

† ” وأقول لكم أني من الآن لا اشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديدا في ملكوت أبي ” (مت26 :29).

† ” أتظن أني لا أستطيع الآن أن اطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة ” (مت26 :53).

(2) † ” فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل ” (يو5 :17).

† ” أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. أن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه ” (يو5 :43).

† ” فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء ” (يو6 :32).

† ” فقال. لهذا قلت لكم انه لا يقدر احد أن يأتي إليّ أن لم يعط من أبي ” (يو6 :65).

+ ” فقالوا له أين هو أبوك. أجاب يسوع لستم تعرفونني أنا ولا أبي. لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ” (يو8 :19).

† ” فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو ولست افعل شيئا من نفسي بل أتكلم بهذا كما علّمني أبي ” (يو8 :28).

† ” أنا أتكلم بما رأيت عند أبي. وانتم تعملون ما رأيتم عند أبيكم ” (يو8 :38).

يو 8:49 ” أجاب يسوع أنا ليس بي شيطان لكني أكرم أبي وانتم تهينونني ” (يو8 :49).

† ” أجاب يسوع أن كنت امجد نفسي فليس مجدي شيئا. أبي هو الذي يمجدني الذي تقولون انتم انه إلهكم ” (يو8 :54).

† ” ليس احد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي ” (يو10 :18).

† ” أجابهم يسوع أني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أنا اعملها باسم أبي هي تشهد لي ” (يو10 :25).

† ” أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر احد أن يخطف من يد أبي ” (يو10 :29).

† ” أجابهم يسوع أعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني ” (يو10 :32).

† ” أن كنت لست اعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي ” (يو10 :37).

† ” في بيت أبي منازل كثيرة ” (يو14 :2).

† ” لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه ” (يو14 :7).

† ” الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا اعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها لأني ماض إلى أبي ” (يو14 :12).

† ” في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وانتم فيّ وأنا فيكم ” (يو14 :20).

† ” الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني.والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه واظهر له ذاتي ” (يو14 :21).

† ” أجاب يسوع وقال له أن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلا ” (يو12 :23).

† ” سمعتم أني قلت لكم أنا اذهب ثم آتي إليكم. لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت امضي إلى الآب. لأن أبي أعظم مني ” (يو14 :28).

† ” بهذا يتمجد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي ” (يو15 :8).

† ” أن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أني أنا قد حفظت وصايا أبي واثبت في محبته ” (يو15 :10).

† ” لا أعود اسميكم عبيدا لان العبد لا يعلم ما يعمل سيده. لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي ” (يو15 :15).

† ” الذي يبغضني يبغض أبي أيضاً ” (يو15 :33).

† ” وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً ” (يو16 :10).

+ ” قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى أخوتي وقولي لهم أني اصعد إلى أبي وأبيكم والهي وإلهكم ” (يو20 :17).

† ” فيرعاهم بقضيب من حديد كما تكسر أنية من خزف كما أخذت أنا أيضاً من عند أبي ” (رؤ2 :27).

† ” من يغلب فذلك سيلبس ثيابا بيضا ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته ” (رؤ3 :5).

† ” من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيضاً وجلست مع أبي في عرشه ” (رؤ3 :21).

(2) أبناء الله في العهد القديم

(أ) أستخدم العهد القديم تعبيرات ” أبناء وبنو وبني الله ” عدة مرات كالآتي:

V ” وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهنّ حسنات. فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ” (تك6: 1و2).

V ” قدموا للرب يا أبناء الله قدموا للرب مجدا وعزّا ” (مز29: 1).

V ” لأنه من في السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله ” (مز89: 6).

V ” لكن يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ ويكون عوضا عن أن يقال لهم لستم شعبي يقال لهم أبناء الله الحي ” (هو1: 10).

V ” كان في الأرض طغاة في تلك الأيام. وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم ” (تك6: 4).

V ” عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله ” (أي38: 7).

وفي كل هذه الأحوال استخدم الكتاب الكلمة العبرية: ” أبناء الله – בני האלהים -‘ĕlôhîym bane ” و” بنو الله – בְּנֵי הָאֱלֹהִים – ‘ĕlôhîym bane ” و” بني الله – בְּנֵי הָאֱלֹהִים – ‘ĕlôhîym bane ” عن بشر وعن الكائنات الروحية في العالم الروحي السمائي، الملائكة. وفي جميعها أستخدم التعبير العبري ” بني ها إيلوهيم – בְּנֵי הָאֱלֹהִים – ‘ĕlôhîym bane “، والتي تعنى ” بني الآلهة ” و” بنو الآلهة ” و ” المقتدرون “، أي الكائنات الروحية السمائية أو عن الأبرار من البشر. فها إيلوهيم (הָאֱלֹהִים -‘ĕlôhîym) هو أسم جمع؛ خاصة عندما يتبعه فعل جمع أو ضمير جمع، كما في هذه التعبيرات، وإيلوهيم هو جمع إيل، والترجمة الحرفية لجميعها هي أبناء الآلهة المقتدرون، الكائنات الروحية السمائية القديرة، خاصة في سفر أيوب:

V ” وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله (بني ها إيلوهيم – בני האלהים -‘ĕlôhîym bane) ليمثلوا أمام يهوه ” (أي6: 1).

V ” وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله (بني ها إيلوهيم – בני האלהים -‘ĕlôhîym bane) ليمثلوا أمام يهوه ” (أي1: 2).

V ” وعندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله (بني ها إيلوهيم – בני האלהים -‘ĕlôhîym bane) ” (أي7: 38).

والفكرة العامة في العهد القديم هي أن هذه الكائنات الروحية السمائية تكون مجمع عظماء تحت سلطان الله وحكمه وسيادته، باعتباره القاضي الأعظم في المجلس السمائي ” الله قائم في المجمع العظيم بين الآلهة (ها إيلوهيم – האלהים) يقضى ” (مز1: 82). ولم يدعوا قط أبناء يهوه، كما لم يدعى أحدهم قط أبن يهوه، إنما هم كائنات سمائية روحية خاضعة لإرادة الله وسيادته ” قدموا للرب (يهوه – יהוָה – yehôvâh) يا أبناء الله (بني إيلوهيم – בני האלהים – ‘ĕlôhîym bane – المقتدرون – mighty ones) قدموا للرب (يهوه – יהוָה – yehôvâh) مجداً وعزاً ” (مز1: 29).

(ب) وخاطب الله داود الملك والنبي وأبنه سليمان الحكيم علي أساس سلطتهما الملوكية الممنوحة لهما من الله لحكم شعبه كأبناء الله، فقال لداود ” أنت أبني أنا اليوم ولدتك ” (مز7: 2)، وقال عن سليمان ” هو يكون لي أبناً وأنا أكون له أباً ” (2صم13: 17). وذلك بمعنى مجازى علي أساس شرعية الحكم المعطى لهما من الله مباشرة، لأن شعب الله المختار في القديم كان يُحكم حكماً ثيؤقراطياً، أي إلهياً، فقد كان الله يقوده ويحكمه مباشرة من خلال أنبيائه والملوك الذين مُسحوا بالدهن المقدس وكانت لديهم موهبة النبوة مثل داود الملك والنبي والذي وصفه القديس بطرس بقوله بالروح: ” فإذ كان نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه ” (أع2: 30). ولكن التحقيق الفعلي للنص والذي كان نبوة مستقبلية، فقد تم في المسيح الملك الآتي والنازل من السماء أبن داود الذي سيجلس علي كرسيه إلي الأبد. فقد تم قول الله لداود وسليمان في الآيتين السابقتين جزئياً، ولكن المقصود بهما فعلاً كان هو النسل الآتي الذي قال عنه الله لداود: ” مرة حلفت بقدسي أنى لا أكذب لداود. نسله إلي الدهر يكون وكرسيه كالشمس أمامي. مثل القمر يثبت إلي الدهر ” (مز35: 89-37) والذي تنبأ عنه اشعياء النبي قائلاً ” لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً مُشِيراً إِلَهاً قَدِيراً أَباً أَبَدِيّاً رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ ” (أش6و7: 9). هذا الملك الآتي من نسل داود هو، كما تقول النبوة: ” الإله القدير الآب الأبدي رئيس السلام ” (أش6: 9)، والذي قال عنه الملاك للعذراء مريم ” هَذَا يَكُونُ عَظِيماً،وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ ” … الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ ” (لو31: 1-35).

ومن ثم فقد أكد الرب يسوع المسيح أنه هو نفسه أبن داود وربه عندما سأل رؤساء اليهود قائلاً ” مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ ” قَالُوا لَهُ: ” ابْنُ دَاوُدَ “. قَالَ لَهُمْ: ” فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً؟ قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ ” (مت42: 22 – 43). وقد أوضح الرب يسوع نفسه هذه الحقيقة بقوله: “ أنا أصل وذرية داود ” (رؤ16: 22)، وأكد الآب من السماء هذه الحقيقة بقوله أثناء المعمودية: ” أنت ابني الحبيب بك سررت ” (لو3: 22)، ” وكان صوت من السموات.أنت ابني الحبيب الذي به سررت ” (مر1: 11).

كما أكد الرسل أن هاتين الآيتين هما نبوتان عن المسيح ابن الله، فقال القديس بولس في المجمع اليهودي: ” أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضا في المزمور الثاني أنت ابني أنا اليوم ولدتك ” (أع13: 33)، وقال في الرسالة إلى العبرانيين: ” كذلك المسيح أيضا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له أنت ابني أنا اليوم ولدتك ” (عب5: 5). ووضع هذه المقارنة بين الابن والملائكة: ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك. وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا ” (عب1: 5) يقول الرسول بالروح في مقارنة بين المسيح، أبن الله، وبين الملائكة ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت أبني أنا اليوم ولدتك. وأيضاً أنا أكون له أباً وهو يكون لي أبناً ” (عب5: 1؛5: 5).

(ج) – ودعي إسرائيل ب ” أبني البكر ” (حز22: 4) و ” أفرايم أبن عزيز لدىّ ” (أر20: 31)، كما دعي بنو إسرائيل ب ” أولاد الرب ” (تث1: 14)، ووصفت إسرائيل بزوجة الرب (هو4: 2)، وكذلك وصفت أورشليم في قوله: ” بنيك وبناتك الذين ولدتهم لي ” (حز20: 16)، التي ولدتهم؛ وهكذا كان بإمكانهم دعوة الله ” أبونا ” (أش16: 63).

وفي كل الأحوال فقد دعي إسرائيل ” أبني ” (هو1: 11) علي أساس أنه الشعب الوحيد في ذلك الوقت الذي كان يعبد الله الواحد، كما كان هو الشعب الذي يحمل النبوات بالنسل الموعود والمسيح الآتي ابن الله والذي سيأتي منه الفادي ليقدم الفداء لكل من يؤمن، وكان هو الشعب الذي قاده الله بنفسه ” لما كان إسرائيل غلاماً أحببته ومن مصر دعوت أبني ” (هو1: 11). ونظراً لعلاقة هذا الشعب بالله وعبادته له وحده فقد وصفه الله مجازاً بالزوجة المخلصة لزوجها، وعندما كان ينحرف الشعب ويعبد الأوثان كان الله يصفه بصورة أدبيه مجازيه رمزية، بالزوجة الخائنة (هو2). وكان الله يؤدبهم كما يؤدب الآب أبنه ” فأعلم في قلبك أنه كما يؤدب الإنسان أبنه قد أدبك الرب إلهك ” (تث5: 8)، ” الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فإن كنت أباً فأين كرامتي وإن كنت سيداً فأين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون أسمى ” (ملا6: 1). وكانت هذه الصلة بالله، العلاقة الروحية، تستمر باستمرار الشعب في طاعة الله وعبادته وأتباعه وتنتهي بعصيانه وعبادة الأوثان. فالعلاقة التي دعي علي أساسها الشعب بأبناء الله، أولاد الرب، ودعي علي أساسها إسرائيل بالزوجة والابن، هي علاقة روحية بين الله وشعبه الذي أحبه وتحنن عليه والذي كان له عليه حق الطاعة والاستجابة لعنايته الإلهية وعبادته، هذه العلاقة صورت بصورة أدبية مجازية رمزية.

(د) كما دعي القضاة في العهد القديم بالآلهة ” إيلوهيم – אלהים – ĕlôhîym ” باعتبار أنهم كانوا يمثلون الله، القاضي والديان الأعظم، علي الأرض، كانوا يمثلون الله القاضي العادل. لذا قال لهم ” أنا قلت أنكم آلهة (إيلوهيم) وبنو العلي كلكم ” (مز6: 82).

وفي كل الأحوال السابقة تختلف بنوة هذه المخلوقات ويختلف تلقيبهم بالآلهة عن بنوة المسيح ولاهوته علي أساس أن المسيح هو أبن الله الوحيد والواحد مع الآب في الجوهر وفي كل الكمالات اللاهوتية، فله كل ما للآب من أسماء وألقاب وصفات ويعمل كل أعمال الله وعلي رأسها الخلق وتدبير الكون وحمله. لذا فهو الأعظم، الأعظم من الملائكة باعتبارهم خليقته التي تسجد له، والأعظم من البشر باعتبارهم أيضاً خلائقه الذين يقدمون له العبادة والسجود.

V ” صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم … وأيضاً متى أدخل البكر إلي العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله. وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحاً وخدامه لهيب نار. وأما عن الابن كرسيك يا الله إلي دهر الدهور ” (عب4: 1-6).

V ” لذلك رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل أسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن علي الأرض ومن تحت الأرض ” (في10: 2).

وقد برهن الرب يسوع المسيح نفسه علي هذا الفارق الذي بينه وبين المخلوقات بقوله ” أنا والآب واحد … أجابهم يسوع أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت أنكم إلهه. أن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله. ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الآب وأرسله إلي العالم أتقولون له أنك تجدف لأني قلت أنى ابن الله. أن كنت لست أعمل أعمال أبى فلا تؤمنوا بي. ولكن أن كنت أعمل فأن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه ” (يو33: 10-38).

البشر دعوا آلهة لأن كلمة الله قد صارت إليهم أما هو فكلمة الله ذاته الذي من ذات الله)الآب) ويعمل نفس أعمال الله التي هي برهان لاهوته وهو الواحد مع الآب في الجوهر والمساوي له الذي له كل ما للآب من أسماء وألقاب وصفات ويعمل كل أعمال الله.

البشر دعوا كذلك لأن كلمة الله صارت إليهم ” ولكن المسيح بنوع ممتاز لم تَصِرْ إليه كلمة الله؛ بل كان هو “كلمة الله”، فكان من الحق أن يُدعى إلهاً وابناً لله، لأن الآب قدَّسه حال تجسده فصار قدوساً دون جميع الناس وأرسله كما جاء على فم الملاك للقديسة العذراء مريم ” القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله ” (لو 35: 1). معنى هذا أن تقديس المسيح لم يتم بعد ولادته؛ بل هو القدوس أصلاً والمولود كذلك، فهو إن كان يقول إنه ابن الله، فذلك ليس ادِّعاء بل هو ظاهر أمامهم قولاً وفعلاً أنه يعمل أعمال الله، لا كأنه يستوحي العمل من الله كأحد الأنبياء القديسين، ولكنه يعمل نفس عمل الله بتلقائية تنطق بصورة عملية أنه يعمل بسلطان الله ذاته”.

(3) أبناء الله في العهد الجديد

يدعي كل البشر في العهد الجديد أبناء الله علي أساس أن الكل خليقته ” لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد … لأننا أيضاً ذرية الله ” (أع28: 17)، ” أليس آب واحد لكلنا. إله واحد خلقنا ” (ملا10: 2)، وعلي هذا الأساس دعي ” آدم أبن الله ” (لو3: 38). ويدعي الأبرار بصفة خاصة ” أبناء الله “؛ ” ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي انه هناك يدعون أبناء الله الحي ” (رو9: 26). ويدعي المؤمنون بالمسيح أولاد الله ” أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه ” (يو12: 1). المسيح نفسه هو الذي منحهم هذا اللقب، فهو الذي جاء بهم إلي الله الآب وقدسهم بدمه ودعاهم أخوه له ” الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آت بأبناء كثيرين إلي المجد أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام؟ لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد فلهذا لا يستحي أن يدعوهم أخوه ” (عب10: 2و11)، فهو المقدس الذي قدسهم وهم المقدسين بدمه، ومن ثم دعاهم أخوه، أصبحوا أبناء الله لأن المسيح ابن الله دعاهم أخوه له، فقد نزل من السماء وافتداهم ووهبهم هبة التبني ” ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح أبنه إلي قلوبكم صارخاً يا أبا الآب. إذ لست بعد عبداً بل أبناً ووارث مع المسيح ” (غل4: 4-6). نال المؤمنون روح التبني بالمسيح ” روح التبني الذي نصرخ به يا أبا الآب. الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فأن كنا أولاداً فأننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح” (رو15: 8-18).

ويدعي المؤمنون أيضاً بأبناء الله الحي لأنهم خلقوا علي صورة ابن الله، المسيح، الذي هو صورة الله الذاتية، صورة جوهره، وهم خُلقوا علي شبه صورته ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة أبنه ليكون هو بكر بين أخوة كثيرين ” (رو29: 8). صاروا علي شبه صورة ابن الله بالخليقة الجديدة. وعلي هذا الأساس يخاطبون الله في الصلاة ” أبانا ” ويقول لهم المسيح عن الله ” أبوكم “، ” أباكم “، ” أبيكم ” و ” أبى وأبيكم “، ” لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ” (غل26: 3).

وهذه البنوة التي لأبناء الله بالمسيح تتم بصورة أخروية بالمجيء الثاني والقيامة من الأموات ” لأن انتظار الخليقة يتوقع إستعلان أبناء الله ” (رو19: 8)، حيث يصير أبناء الله بالقيامة، كما يقول المسيح، كائنات روحية مثل الملائكة لن ترى الموت والفساد ” الذين حسبوا أهلاً للحصول علي ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يُزوجون ولا يتزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة ” (لو35: 2036).

دعي المؤمنون أبناء الله بالتبني بدم المسيح ولأن المسيح نفسه هو الذي قدسهم ومنحهم السلطان أن يصيروا أولاد الله. أما المسيح فهو الواحد مع الآب في الجوهر والذي في الآب والآب فيه. وقد ميز القديس يوحنا، لغوياً بين المسيح كالابن الوحيد الذي من ذات الله الآب وفي ذات الله الآب وأحتفظ له بلقب ” الابن – υἱός – uihos ” لكونه الابن الحقيقي والوحيد، وبين ” أولاد الله – θεου τεκνα – tekna Theou ” (يو12: 1؛52: 11؛1يو1: 3)، مستخدماً كلمة ” tekna” بمعنى ” أطفال ” جمع ” teknon ” أي طفل.

(4) بنوة المسيح لله – لاهوته

دُعي الرب يسوع المسيح، كلمة الله الذي كان عند الله وهو الله، ب ” أبن الله “،  “huios Theou –θεου υιος ” بالمعنى الحقيقي والكامل للألوهية، اللاهوت، كابن الله الذي هو كلمة الله وهو الله، الله ناطقاً، الله معلناً، صورة الله غير المنظور. فهو الواحد مع الآب والمساوي له في الجوهر والذي من نفس طبيعته وجوهره. وقد لقب نفسه ولقبه القديس يوحنا بالروح القدس ب ” كما لوحيد من الآب – πατρός παρὰ μονογενοῦς ὡς ” (يو1: 14)، ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب ” 0يو1: 19)، ” أبنه الوحيد ” (يو3: 16)، ” أبن الله الوحيد ” (يو3: 18)، فهو وحيد من الآب والابن الوحيد الذي في حضن الآب، أنه من الآب وفي حضن الآب، أو كما قال ” أنا والآب واحد ” (يو30: 10)، ” الذي رآني فقد رأى الآب … أني أنا في الآب والآب فيّ … أني في الآب والآب فيّ ” (يو14: 10و11). ولا يوجد أي كائن من الذين أعطي لهم لقب ابن الله مجازا يمكن أن يقول أنه من الآب ولا في حضن الآب ولا أني في الآب والآب فيّ:

V ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله … والكلمة صار جسداً وجل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقا … الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر عنه ” (يو1: 1و14و18).

V ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله أبنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن له لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد ” (يو16: 3-18).

V ” بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل أبنه الوحيد إلي العالم لكي نحيا به ” (1يو9: 4).

وكلمة ” وحيد ” في هذه الآيات هي في اليونانية ” مونوجينيس – monogenes – μονογενοῦς “، وتعنى حرفياً؛ واحد في النوع، واحد فقط، فريد(3)، وتركز في ارتباطها بلقب ” أبن الله ” علي حقيقة أن المسيح، كلمة الله، هو الابن الوحيد لله الآب، والذي لا يوجد ابن الله غيره أو سواه أو مثله، لا يوجد أبن لله في نوعه وتفرده كالابن من الآب ومن طبيعته وجوهره. هو وحده الذي من ذات الله الآب ومن طبيعته وجوهره والمساوي له في كل ماله. هو وحده صورة الله، صورة طبق الأصل، والمعلن له، كلمة الله، الله ناطقاً.

سأل أحدهم السؤال التالي قائلاً: كيف تبرهنون على أن المسيح هو ابن الله الوحيد؟ ولماذا لا يكون لله أبن ثانٍ وثالث ورابع 00 الخ؟ وللإجابة على هذا السؤال السُفسطائي (الجدلي) نوضح هنا أن الرب يسوع المسيح هو ” كلمة الله “، نطق الله العاقل وعقله الناطق، و” صورة الله غير المنظور ” و” بهاء مجد الله ورسم جوهره “، أي النور والضياء الصادر من ذات الله وصورة جوهر الله، حكمة الله وقوة الله ” فبالمسيح قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24)، والذي ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو2: 9)، كما أنه ” الله الظاهر في الجسد ” (1تي3: 16). والله غير محدود وكلمته ” يحل كل ملء اللاهوت جسديا “، أي غير محدود، وعقله (عقل الله) غير محدود هو ابنه الوحيد الذي في حضنه وحضن الآب غير محدود وابنه الذي في حضنه غير محدود، ولذا لا يمكن أن يكون لله الواحد سوى كلمة واحد وعقل واحد وصورة واحدة هو ابنه الوحيد غير المحدود لأنه يملأ حضن الآب غير المحدود.

كما تركز كلمة ” الوحيد ” علي الكيان الشخصي لكلمة الله، المسيح، باعتباره كلمة الله وصورته وإشعاع مجده ورسم جوهره، فهو أبن الله الوحيد، الفريد والمتفرد، الذي هو الله ناطقاً الله ذاته معلناً.

ويعبر لنا الوحي الإلهي عن العلاقة الذاتية الفريدة بين الآب والابن في آيتين ” كما لوحيد من الآب ” و ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب “:

1- وتعبر الأولي ” وحيد من الآب – μονογενοῦς παρὰ πατρός – monogenous Para Patros ” عن وحدة الابن مع الآب في الجوهر، إذ أن قوله ” من الآب ” يميز الابن الوحيد تمييزاً مطلقاً عن الخلائق لأنه ” من الآب “، من ذات جوهره وطبيعته وفي ذاته. أنه أبن الله الوحيد الذي من ذاته وفي ذاته، الواحد مع الآب ” أنا والآب واحد ” (يو10: 30)، ” أني أنا في الآب والآب فيّ … صدقوني أني في الآب والآب فيّ ” (يو14: 10و11)، والمساوي له في الجوهر. هو الابن الوحيد الذي كان ” ην – en ” في البدء مع الله الآب بلا بداية، والذي كان هو الله.

2- والعبارة الأخيرة في الآية الثانية ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب – μονογενὴς υἱὸς ὁ ὢν εἰς τὸν κόλπον τοῦ πατρὸς “، تعني حرفياً ” الكائن (ὁ ὢν) في حضن الآب “، كما تعنى أيضاً الموجود مع الآب، ” وكان الكلمة عند الله – καὶ Θεὸς ἦν ὁ Λόγος “، بلا زمن، بلا بداية ولا نهاية، كما تعبر عن العلاقة الأبدية بين الآب والابن في الذات الإلهية، ويعبر حرف الجر ” في – eis – εἰς ” عن حقيقة الوجود الأزلي الأبدي للابن مع الآب ” مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17: 5)، وعودته لمجد الله الآب بعد التجسد ” خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضا اترك العالم واذهب إلى الآب ” (يو16: 28)، فهو يعطى في قوله ” في حضن الآب ” معنى ” الذي دخل في وهو هناك “.

V ” قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ ” (مت22: 44).

ويزعم البعض أن كلمة ” حضن ” هنا ليست دليلًا على وجود المسيح في ذات الله، ويستشهدون في ذلك بقوله: ” فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ” (لو16: 22)، ” وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه ” (يو13: 23).

ونقول لهم ما تقولونه خطأ يجانب الصواب والحقيقية فالعكس هو الصحيح فعبارتي ” في حضن إبراهيم ” و ” في حضن يسوع ” تعنيان المكان الذي كان فيه كل من لعازر ويوحنا فحضن إبراهيم يعني في دائرة مكان الراحة، وحضن يسوع تعني أنه يحتويه بين ذراعيه بالجسد، أما حضن الله فغير محدود لأن الله غير محدود. وقد جاءت العبارة في اليونانية كالآتي:

وفي قوله: “ο μονογενης υιος ο ων εις τον κολπον “، جاءت كلمة ” في “؛ ” εις – eis ” وتعني داخل وخارج مكان أو زمن ولها عدة معاني أخرى، مما يدل على المعنى اللاهوتي الواسع للكلمة. وقد أكد الرب يسوع المسيح له المجد أنه من ذات الله بقوله ” أنا اعرفه (أي الآب) لأني منه وهو أرسلني ” (يو7: 29). وقوله له المجد ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17: 5). فهو في ذات الآب ومن ذات الآب وله المجد في الذات الإلهية لله الواحد قبل الخليقة ومنذ الأزل بلا بداية.

وهذه الآية تقدم الوصف المطلق لطبيعة الابن الإلهية والوجود الأبدي مع الآب بلا بداية ولا نهاية. وقد جاءت عبارة ” الابن الوحيد ” في أقدم المخطوطات وأدقها “monogenes Theos – ο μονογενης θεος – الإله الوحيد – God the One and Only ” وترجمت هكذا في أحدث الترجمات العالمية(5). مؤكدة أن الابن الوحيد هو ” الإله الوحيد الكائن في حضن الآب “. فهو إله من إله، نور من نور، كلمة الله، صورة الله، بهاء مجد الله والصورة الدقيقة لجوهره، ابن الله، الله ناطقاً، الله معلناً.

وقد أكد الرب يسوع المسيح، ابن الله، علي حقيقة مساواته لله الآب وكونه إله، الإله، بأقوال كثيرة مقدماً الدليل والبرهان علي صحة أقواله:

+ ” فأجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أن الله أبوه مساوياً نفسه بالله ” (يو17: 5و18) وكانت أجابته لهم أنه كابن الله يعمل جميع أعمال أبيه، الله ” لأنه مهما عمل ذلك فهذا يعمله الابن كذلك لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله … لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضاً يحي من يشاء. لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للابن. لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله … لأنه كما أن الآب له حياه في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياه في ذاته … فأنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلي قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلي قيامة الدينونة ” (يو19: 5-25).

وفي هذه الآيات يؤكد المساواة الكاملة بين الآب والابن، فهو يعمل جميع أعمال الله مهما كانت إذ يقيم الموتى ويحيى من يشاء، ويحيى الموتى الذين في القبور يوم الدينونة ويدين كل البشرية كل واحد بحسب أعماله (رو6: 2)، وهو الذي له الحياة في ذاته، والذي له كرامة متساوية مع الله الآب كما يؤكد علي أنه الخالق المستمر في عمله الخلاق الذي هو عمل الآب، إذ أنه هو كلمة الله الخالق والكلمة المنفذ للإرادة الإلهية، والمعلن للذات الإلهية والطبيعة الإلهية. أنه الخالق خلق الكون وما يزال مستمر في تجديد الخليقة، هو الحي، الذي فيه الحياة ومعطى الحياة الأبدية. ابن الله الواحد مع الآب والمساوي له في الجوهر، والواحد معه في الإرادة والمساوي له في الكرامة.

وقد أدرك اليهود هنا علي الفور أنه يقصد المساواة الكاملة مع الله، كما أدركوا ذلك في قوله السابق وقالوا ” قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله “، والكلمة المترجمة هنا معادل هي ” ισον – ison ” من ” ἴσος – isos ” وتعني مماثل (في الكمية أو النوع) مساو، معادل. وهي نفس الكلمة المستخدمة في قوله ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياً (ισα – isa) لله ” (في2: 6). والمساوي لله هنا هو صورة الله ” μορφη θεου ” و ” μορφη – morphe ” تعني الصورة التي تشير إلى الظهور الخارجي الذي يؤدى إلى الجوهر، هو في شكل الله الآب ذاته، في طبيعته وجوهره كما يؤكد نص الآية في ترجمته الإنجليزية:

+ who existing in the nature of God, did not consider being equal to God something to be held onto.

+ who, existing in the form of God, counted not the being on an equality with God a thing to be grasped.

+ who, existing in the form of God, did not consider it robbery to be equal with God.

أي أنه كان ” مساوياً لله “، وكان مستمراً في الوجود من الأزل بلا بداية. أنه في شكل الله الآب والمساوي له في الطبيعة والجوهر والوجود السرمدي والمسجود له من جميع الخلائق في الكون كله.

+ ” أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه … قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فأنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاًأن كنت لست أعمل أعمال أبى فلا تؤمنوا بي. ولكن أن كنت أعمل فأن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه ” (يو30: 10-38).

وقوله ” أنا والآب واحد – I and the Father are one – ἐγὼ καὶ ὁ πατὴρ ἕν ἐσμεν ” هنا يعبر عن وحدة الآب والابن الجوهرية في الذات الإلهية، وحدة ومساواة في الجوهر والطبيعة. ويعبر عن هذه الوحدة الجوهرية باستخدام كلمة ” واحد – hen- ἕν ” وهي ضمير حيادي (neuter)، ليس مذكر ولا مؤنث، ليؤكد علي الوحدة في الجوهر والطبيعة، وليس مجرد وحدة في الإرادة والقوة، وبالتالي يؤكد المساواة الكاملة والتامة في الذات الإلهية. وقد أدرك اليهود علي الفور أنه يقصد المساواة الكاملة مع الله، كما أدركوا ذلك في قوله السابق وقالوا ” قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله “، وقالوا هنا ” لأنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً “. فلا يساوى الله إلا الله وبالتالي يكون هو إلهاً، الإله المساوي لله والواحد معه في الجوهر. لذلك طلبوا في المرة الأولي ” أن يقتلوه ” وفي الثانية تناولوا ” حجارة لكي يرجموه ” بتهمة التجديف. ولكن المسيح، أبن الله، برهن لهم علي حقيقة كونه ابن الله المساوي لله والواحد مع الآب في الجوهر بأعماله الإلهية التي هي أعمال الله: ” أن كنت أعمل فأن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه ” (يو38: 10). ثم يقول الكتاب: ” فطلبوا أيضا أن يمسكوه فخرج من أيديهم ” (يو10: 39). لقد رأوا في كلامه، من وجهة نظرهم تجديفا في حق الله، لذا قرروا أن يمسكوه ليقتلوه ولكنه خرج من بين هذا الجمع الحاشد بصورة إعجازية، مثلما كان يحدث في كل مرة يحاولون فيها ذلك.

يقول الرب يسوع المسيح، كلمة الله، ابن الله، تأكيداً للوحدة والمساواة في الذات الإلهية بين الآب والابن ” كل ما للآب هو لي ” (يو15: 16)، ” أنا أعرفه (أي الآب) لأني منه ” (يو29: 7)، ” خرجت من عند الآب وقد أتيت إلي العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلي الآب ” (يو28: 16)، ويخاطب الآب بقوله ” أنى خرجت من عندك … كل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي … أنت أيها الآب في وأنا فيك أننا نحن واحد ” (يو8: 17-22). وهذه المساواة أكدها القديس بولس بالروح القدس، كما بينا، في قوله ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً ” (في5: 2). أنه الذي من الآب وفي الآب والواحد معه في الجوهر والمساوي له في الجوهر والطبيعة، فهو كلمة الله الذي كان عند الله وكان هو الله، صورة الله غير المنظور، بهاء مجده، إشعاع مجده، ورسم جوهره، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر عنه، ابن الله، صورة الله، إشعاع مجده، صورة جوهره، الله ناطقا ً، الله معلناً.


(3) وردت كلمة مونوجينيس أربع مرات لغير المسيح عن ابن وحيد لأمه (لو 2:7) وبنت وحيده لأبيها (لو 42:8) وأبن وحيد لأبيه (لو 38:9)، واسحق كوحيد أبيه من زوجته الشرعية سارة (عب 17:11).

(5) الترجمة الدولية الحديثة

(5) المسيح ابن الله في الإنجيل بأوجهه الأربعة

يتصور البعض أن المسيح لم يتكلم عن نفسه كابن الله المساوي لله الآب والواحد معه في الجوهر، بصورة كافية، وأن كتاب الإنجيل بأوجهه الأربعة لم يذكروا ذلك بما يكفي. ولكن الواقع غير ذلك تماماً، فقد ركز كل واحد من الإنجيلين الأربعة علي جانب معين من جوانب حياة الرب يسوع المسيح دون أن يغفل قط حقيقة لاهوته وكونه ابن الله المساوي للآب والواحد معه في الجوهر.

أولاً: الأناجيل الثلاثة الأولي:

نقل القديس متى الأقوال التالية للمسيح وشاركه القديس لوقا في القولين الثاني والثالث:

V ” دفع إلي كل سلطان في السماء وعلي الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلي انقضاء الدهر ” (مت18: 28-20).

V ” كل شيء قد دفع إلي من أبى. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن. ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت27: 11؛لو22: 10).

V ” فأجاب رئيس الكهنة وقال له أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح أبن الله. قال له يسوع أنت قلتأنا هو “. وأيضاً أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة ” عن يمين قوة الله ” (لو69: 22) ” وآتياً علي سحاب السماء ” (مت63: 26و64)، ” فمزق رئيس الكهنة ثيابه قائلاً قد جدف … ها قد سمعتم تجديفه ” (مت65: 26).

وهنا يقدم المسيح إعلان ثلاثي لحقيقة كونه ابن الله الحي، الواحد مع الآب في الجوهر؛ أولاً: فهو يعلن صراحة أنه ” المسيح ابن الله ” فيقول: ” أنا هو “؛ ” فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء ” (مر14: 46). وينقلها القديس متى: ” قال له يسوع أنت قلت. وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء ” (مت26: 64). ثانياً: وفي قوله: ” وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة “، يشير إلى ما جاء عنه في مزمور (110: 1)؛ ” قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك “. والرب الجالس عن يمين الرب هو الرب يسوع المسيح حيث يؤكد الكتاب هذه الحقيقة أحد عشر مرة:

V ” ثم أن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله ” (مر16: 19).

V ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوّة الله ” (لو22: 69).

V ” وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله ” (أع7: 55).

V ” فقال ها أنا انظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائما عن يمين الله ” (أع7: 56).

V ” من هو الذي يدين. المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا ” (رو8: 34).

V ” فان كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله ” (كو3: 1).

V ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي ” (عب1: 3).

V ” وأما راس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات ” (عب8: 1).

V ” وأما هذا فبعدما قدّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلىالأبد عن يمين الله ” (عب10: 12).

V ” ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذي من اجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي فجلس في يمين عرش الله ” (عب12: 2).

V ” الذي هو في يمين الله إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له ” (1بط3: 22).

ثالثاً: وفي قوله: ” وآتيا على سحاب السماء “، يشير إلى ما سبق أن تنبأ به عنه دانيال النبي باعتباره المعبود الآتي على السحاب لتتعبد له كل الأمم: ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا7: 13و14).

وابتدأ القديس مرقس الإنجيل الثالث بقوله ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1: 1)، وختمه بجلوس الابن عن يمين أبيه ووجوده في نفس الوقت مع تلاميذه يعمل معهم وبهم ومن خلالهم ” ثم أن الرب بعدما كلمهم أرتفع إلي السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة ” (مر19: 16و20).

وفي هذه الآيات، أعلاه، يؤكد الرب يسوع المسيح، ابن الله، علي مساواته المطلقة مع الآب والروح القدس، ووحدة الذات الإلهية في قوله ” وعمدوهم باسم ” وليس ” بأسماء “، كما يؤكد وحدته مع الآب ومساواته له وتميزه عن المخلوقات بإعلانه أنه لا أحد يعرف حقيقة الابن في جوهره، إلا الآب، ” ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ” لأنه من جوهره، وهو وحده الذي يعرف الآب ويعلنه كقوله ” أنا أعرفه لأني منه “. وكلمة ” يعرف – ἐπιγινώσκει – epiginoskei ” هنا، هي فعل مركب ويمكن أن يترجم حرفياً ” يعرف معرفة كاملة – Fully Knows – to become fully acquainted with, to acknowledge “، ويشرح المعرفة الكاملة التي لا يمكن أن تكون لغير الله، كما يعنى المعرفة الكلية التي لأبن الله، كلي المعرفة الإلهية. هو وحده الذي يعرف الآب، والآب فقط هو الذي يعرف الابن، وبالتالي فمعرفة الآب تؤدى لمعرفة الابن، ومعرفة الابن تؤدى لمعرفة الآب، وهذا ما عبر عنه بقوله ” لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبى أيضاً ” (يو19: 8).

ولأنه ابن الله الذي هو الله متكلماً، الله معلناً، الواحد مع الآب، فهو الذي له السلطان علي كل الخليقة في السماء والأرض، له السلطان والسيادة وله المعرفة الكلية. وهو أبن الله الموجود في السماء والجالس علي عرش الله، عن يمين الله، والموجود مع تلاميذه ورسله علي الأرض في آن واحد. هو ابن الله الجالس عن يمين القوة والذي سيأتي علي السحاب. وقد مزق رئيس الكهنة ثيابه عند سماعه إعلان ابن الله هذا معتقداً أنه يجدف لأنه يعلن أنه الله الجالس عن يمين الله والمساوي له.

وتنقل الأناجيل الثلاثة المتماثلة إعلان الآب من السماء عن كون المسيح هو ” ابن الله الحبيب ” وذلك في حادثتي العماد والتجلي، يقول الكتاب ” فلما أعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذ السموات قد انفتحت له فرأي روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه وصوت من السماء قائلاً ” هذا هو أبني الحبيب الذي به سررت ” (مت16: 3و17)، أو كما نقلها القديسان مرقس ولوقا ” أنت أبني الحبيب الذي به سررت ” (مر11: 1؛لو22: 3). وفي شهادة يوحنا المعمدان لما حدث في المعمودية يقول الكتاب: ” وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي. وأنا لم أكن اعرفه. لكن ليظهر لإسرائيل لذلك جئت اعمد بالماء. وشهد يوحنا قائلا أني قد رأيت الروح نازلا مثل حمامة من السماء فاستقر عليه. وأنا لم أكن اعرفه. لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله ” (يو1: 30-34).

وما حدث في المعمودية حدث أيضا في التجلي، وأرتبط هذا الإعلان السمائي في الحادثة الأولي بانفتاح السماء ونزول الروح القدس بهيئة جسمية عليه، وإعلان يوحنا المعمدان أنه غير مستحق أن يحل سيور حذاء المسيح أو يحمل حذاءه (مت11: 3؛ مر7: 1؛ لو16: 3). وفي الثانية، التجلي، يكشف الرب يسوع المسيح عن شيء من مجده ولاهوته فقد ” تغيرت هيئته قدامهم (تلاميذه) وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور ” (مت17: 2)، ” صارت هيئة وجهه متغيرة ” (لو9: 29)، ” وصارت ثيابه بيضاء كالثلج ” (مر9: 3). هذه الظاهرة الإلهية جعلت التلاميذ الثلاثة الذين شاهدوا هذا التجلي الإلهي يسقطون علي وجوههم وخافوا جداً ” (مت17: 6)، و” كانوا مرتعبين ” (مر9: 6)، صاروا في غيبوبة روحية لما شاهدوه. بل وأمام هذا المشهد السمائي الروحاني الإلهي المهيب صاروا في حالة ذهول روحي، دهش، وراحوا في غيبوبة روحية، يقول الكتاب ” فجعل بطرس يقول ليسوع يا سيدي جيد أن نكون ههنا. فلنصنع ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة “!! قال القديس بطرس ما قال لأنه كان في حالة ذهول ورعب ودهش روحي ويعلق القديس مرقس بالروح قائلا ” لأنه لم يكن يعلم ما يتكلم به إذ كانوا مرتعبين” (مر5: 9، 6). وهنا يقول الكتاب ” وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم. فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت5: 17). له اسمعوا ” (لو34: 9، 35). هذا المشهد الإلهي المهيب الذي أنطبع في ذهن وذاكرة القديس بطرس يقول عنه بالروح: ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته. لأنه اخذ من الله الآب كرامة ومجدا إذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس “ (2بط16: 1-17).

وينقل لنا القديس يوحنا شهادة نثنائيل عن كون الرب يسوع المسيح ابن الله بعد أن رأى فيه شخص يعلم الغيب ويعرف الخفيات، كلي المعرفة، يقول الكتاب: ” فيلبس وجد نثنائيل وقال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة. فقال له نثنائيل أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح. قال له فيلبس تعال وانظر ورأى يسوع نثنائيل مقبلا إليه فقال عنه هوذا إسرائيلي حقا لا غش فيه. قال له نثنائيل من أين تعرفني. أجاب يسوع وقال له. قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك. أجاب نثنائيل وقال له يا معلّم أنت ابن الله. أنت ملك إسرائيل. أجاب يسوع وقال له هل آمنت لأني قلت لك أني رأيتك تحت التينة. سوف ترى أعظم من هذا. وقال له الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو1: 45-51). وهنا أدرك نثنائيل سلطان المسيح على معرفة الغيب، حيث كشف له سرا من أسراره لم يكن يعرفه أحد غيره فآمن على الفور ببنوة المسيح لله وقال له: ” يا معلم أنت ابن الله “. فقد لمس بنفسه معرفة المسيح للغيب، ومعرفته الكلية، حيث أخبره بالمكان الذي كان يجلس فيه قبل أن يصل إليه فيلبس ويدعوه. كان الرب يسوع المسيح موجوداً في مكان وكان نثنائيل موجوداً في مكان أخر يستحيل على أي إنسان أخر وهو في المكان الذي كان فيه المسيح أن يراه فيه، ولكن المسيح رآه بمقتضي وجوده في كل مكان بلاهوته ومعرفته الكلية كابن الله الذي من ذات الله وفي ذات الله، كلمة الله وصورة غير المنظور.

كما نقل لنا القديس متى اعتراف بطرس الرسول ” أنت المسيح أبن الله الحي ” (مت16: 16)، هذا الاعتراف السمائي عن الابن من خلال القديس بطرس ” طوبى لك يا سمعان بن يونا. أن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبى الذي في السموات ” (مت16: 17)، وهذا تأكيد لما سبق أن قاله الرب ” ليس أحد يعرف الابن إلا الآب “. أعلنت بنوة المسيح لله من الآب مباشرة لأنه لا أحد يعرف حقيقة الابن في جوهره كابن الله، سوى الآب ذاته، لأن الآب والابن واحد.

ويسجل لنا القديس يوحنا أيضاً شهادة القديس بطرس في مناسبة أخرى، فبعد إعلان الرب يسوع المتكرر عن نزوله من السماء وحديثه مع تلاميذه عن السمائيات وقوله لهم: ” لا يقدر احد أن يأتي إليّ أن لم يعط من أبي من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه. فقال يسوع للاثني عشر ألعلكم انتم أيضا تريدون أن تمضوا “. وهنا كانت إجابة القديس بطرس الذي عرف حقيقة بنوة المسيح لله من الآب بالروح القدس: ” يا رب إلى من نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك. ونحن قد آمنّا وعرفنا انك أنت المسيح ابن الله الحي ” (يو6: 65-69).

كما يسجل لنا إعلان الرب يسوع المسيح نفسه عن بنوته لله بعد أن خلق للمولود أعمى عينين يقول الكتاب: ” وفيما هو مجتاز رأى إنسانا أعمى منذ ولادته. فسأله تلاميذه قائلين يا معلّم من اخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى. أجاب يسوع لا هذا اخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه. ينبغي أن اعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار. يأتي ليل حين لا يستطيع احد أن يعمل. ما دمت في العالم فانا نور العالم قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى. وقال له اذهب اغتسل في بركة سلوام. الذي تفسيره مرسل. فمضى واغتسل وأتى بصير “. وهنا ثار جدال بين رؤساء اليهود حول هذه المعجزة انتهى بطرد هذا الشخص الذي فتح المسيح عيناه ” فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجا فوجده وقال له أتؤمن بابن الله. أجاب ذاك وقال من هو يا سيد لأومن به. فقال له يسوع قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو. فقال أومن يا سيد. وسجد له ” (يو9: 1-38).

وهنا نرى الرب يسوع المسيح في إعلان بنوته لله يتكلم عن نفسه باعتباره نور العالم وباعتباره الخالق الذي يقوم بعملية خلق لمقلتي عيني المولود أعمي، هاتان المقلتان اللتان لم يكن لهما أي وجود على الإطلاق، لذا يقول الكتاب: ” وتفل على الأرض وصنع من التفل طينا وطلى بالطين عيني الأعمى “، وهذا نفس ما فعله الله في خليقة الإنسان فقد خلقه من تراب وطين، يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض. ونفخ في انفه نسمة حياة. فصار آدم نفسا حيّة ” (تك2: 7)، ” هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع ” (اش45: 9)، ” والآن يا رب أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا وكلنا عمل يديك ” (اش64: 8)، ” اذكر انك جبلتني كالطين ” (أي10: 9)، ” أنا أيضا من الطين تقرصت ” (أي33: 6). فقد أعلن الرب يسوع المسيح عن بنوته لله وألوهيته بعد أن قام بعملية خلق حقيقية بنفس الطريق التي يخلق بها الإنسان.

ويسجل لنا أيضاً شهادة مرثا أخت لعازر مرتبطة بإحيائه للموتى، ففي اليوم الرابع لموت لعازر قالت مرثا للرب يسوع المسيح: ” يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي. لكني الآن أيضا اعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه. قال لها يسوع سيقوم أخوك. قالت له مرثا أنا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حيّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا. قالت له نعم يا سيد. أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم ” (يو11: 21-27). وكان إيمان مرثا ببنوة الرب يسوع المسيح لله مرتبطاً بقدرته على إحياء الموتى حتى بعد أن تعفنت أجسادها، أو كما يقول البعض في حديثهم عن الله ” يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ” (يس 78).

وفي الأسبوع الأخير طلب أناس يونانيون من تلميذه فيلبس أن يروا الرب يسوع المسيح، وهنا قال هو ” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان “، ثم خاطب الآب مناجيا ” أيها الآب مجد اسمك. فجاء صوت من السماء مجّدت وأمجّد أيضا “، يقول الكتاب ” فالجمع الذي كان واقفا وسمع قال قد حدث رعد. وآخرون قالوا قد كلمه ملاك. أجاب يسوع وقال ليس من أجلي هذا الصوت بل من أجلكم ” (يو28: 12-30).

وبعد العشاء الرباني وقبل القبض عليه بلحظات أعلن لتلاميذه عن وحدته الجوهرية مع الآب في الذات الإلهية بقوله: ” لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال. صدقوني أني في الآب والآب فيّ. وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها ” (يو14: 7 -11).

لقد شهد الآب للابن علانية أمام الجموع في العماد، ولثلاثة من تلاميذه على جبل التجلي، وفي الأسبوع الأخير، وأعلن المسيح صراحة وبوضوح كامل عن بنوته للآب ووحدته معه في الذات والجوهر وكونه في الآب والآب فيه باعتباره الواحد معه في اللاهوت والطبيعة الإلهية والجوهر الإلهي أو كما يقول الكتاب: ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً “. فهل حدث مثل هذا لأحد غير المسيح؟ والإجابة؛ كلا. فهل يقول لنا أحد بعد ذلك أن هناك أحداً ما أو مخلوقاً ما في السماء وعلى الأرض يتساوى مع المسيح في بنوته الجوهرية لله؟ والإجابة؛ كلا وحاشا!!

ثانياً: الإنجيل للقديس يوحنا:

ركز الإنجيل للقديس يوحنا بدرجة كبيرة علي تأكيد لاهوت المسيح وكونه الابن الوحيد الذي هو الإله الوحيد الذي في حضن الآب والواحد معه والمساوي له في الجوهر. وقد بدأ الإنجيل بإعلان أزلية الابن، كلمة الله، ووحدته مع الآب وكونه الخالق لكل شيء وكونه مصدر الحياة ونبعها ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة ” (يو1: 1-4)، ثم يعلن عن تجسد الكلمة، أبن الله، وينقل الكثير من أقوال المسيح عن كونه الابن المساوي للآب والواحد معه في الجوهر والذي من ذات الآب، والذي له كل ما للآب. كما ينقل اعترافات التلاميذ كنثنائيل ومرثا وغيرهم عن كون المسيح ” ابن الله ” (يو1: 49؛11: 27)، ويؤكد علي حقيقة التهمة التي صلب بسببها المسيح وهو قوله وإعلانه أنه ” ابن الله ” (يو9: 17). ويختم إنجيله بقوله بالروح القدس ” وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو20: 31).

(6) الفارق بين المسيح والبشر

” من ثم أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أمينا للذي أقامه كما كان موسى أيضا في كل بيته. فأن هذا قد حسب أهلا لمجد أكثر من موسى بمقدار ما لباني البيت من كرامة أكثر من البيت. لان كل بيت يبنيه إنسان ما ولكن باني الكل هو الله. وموسى كان أمينا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به. وأما المسيح فكابن على بيته. وبيته نحن أن تمسكنا بثقة الرجاء وافتخاره ثابتة إلى النهاية ” (عب2: 1-6).

يقول أحد المشككين أن الكلمة المستخدمة في العهد القديم ” ابن “، هي ” בן – ben وتنطق bane)، وقد تكررت في العهد القديم 4902 مرة. وتدل على البنوة المجازية والبنوة الحقيقية، كما استخدمت الكلمة العبرية ” zera ” التي لا تنصرف إلا إلى البنوة الحقيقية. فلو كان الروح القدس يقصد بنوة حقيقية، للمسيح، لاستخدم هذه الكلمة zera التي يتكرر ذكرها 230 مرة في العهد القديم. وإنما قصد بنوة مجازية فاستخدم ben. ويستشهد بقوله: ” أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً ” (2صم 7: 14)، ويقول الكتاب يستخدم هنا ” ben ” وليس ” zera “. ولذا فهو يقصد بنوة مجازية وليس بنوة حقيقية!!

ونقول له إذا كانت الكلمة مستخدمة آلاف المرات عن البنوة بمعناها الحقيقي وأيضاً المجازي، كما استخدمت آلاف المرات عن البنوة الحقيقة مقابل استخدام كلمة ” zera ” 230 مرة فقط، هذا فضلا عن أن كلمة ” zera ” لها معاني أخرى لن ندخل في تفصيلها هنا، فما الذي يقلل من قيمتها في الحديث عن البنوة الحقيقية آلاف المرات مقابل 235 مرة فقط؟؟!!

أن كلمة ابن في العربية تعبر عن البنوة الحقيقية والمجازية وكذلك كلمة son في الإنجليزية وهكذا في كل اللغات، فهل معنى أن كلمة ابن في العربية تعني البنوة الحقيقية والمجازية نقول أن بنوة إبراهيم بن سلامة هي بنوة مجازية وليست بنوة حقيقية؟؟ والإجابة كلا!! فعندما نقول إبراهيم بن سلامة نعرف أنها تعني بنوة حقيقية، وعندما نقول ابن مصر أو ابن السبيل نعرف أنها تعني بنوة مجازية، وهذا لا يقلل من قيمة الكلمة عندما تعني البنوة الحقيقية!!!

ثم يزعم قائلاً: ” عندما يستشهد القديس بولس بالكلمة المجازية ويطبقها على المسيح فليس أمامنا بعد هذا التحليل اللغوي إلا أن نعتبر أن بنوة المسيح لله هي بنوة مجازية: إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هَذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضاً فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ ” (أع 13: 33)، ” كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: ” أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ ” (عب 5: 5). ثم يقول والكلمة اليونانية المستخدمة لكلمة ” ابن” هنا هي: ” υἱός – uihos “، وتدل على البنوة المجازية والبنوة الحقيقية.

ونقول له: أن الكلمة مستخدمة مئات المرات بالمعني الحقيقي والمجازي، وقد وردت عن المسيح كابن مريم ” υιος μαριας” (مر6: 3) وكابن الإنسان ” υιος του ανθρωπου ” وكابن الله ” υιος ει του θεου “، فهل تقول لنا أنه عندما يقول ابن مريم يقصد بنوة حقيقية، وعندما يقول ابن الإنسان يقصد بنوة حقيقية، وعندما يقول ابن الله يقصد بنوة مجازية؟؟؟!!! يا عزيزي الكلمة هي هي ولكي نعرف أن كان المقصود بها بنوة حقيقية أو بنوة مجازية علينا أن نراجع بقية ما جاء عن هذا الشخص من جهة هذه البنوة. والكتاب يقول عن الابن، المسيح، ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله ” (يو1: 1)، و ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر ” (يو1: 18)، والابن يقول عن علاقته بالآب: ” أنا أعرفه (أي الآب) لأني منه ” (يو7: 29)، ويقول عنه الوحي الإلهي: ” الذي وهو بهاء مجده (مجد الله) ورسم جوهره ” (عب1: 3)، ” صورة الله غير المنظور ” (كو1: 15)، ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساويا لله ” (في2: 5) 00 الخ. وهذه الآيات توضح حقيقية وطبيعة وجوهر، الابن، المسيح؛ أنه كلمة الله الذي هو الله، ابن الله الوحيد الذي في حضن الآب، والذي من الآب، بهاء مجد الله ورسم جوهره، صورة الله المساوي لله.

والنتيجة الطبيعية هي أنه ابن الله بالمعني الحقيقي للكلمة. والابن ذاته يؤكد هذه العلاقة الجوهرية والوحدة الحقيقية والبنوة الحقيقية للابن الذي من ذات الآب وفي ذاته حيث يقول: ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (لو 10: 22). وهذا يؤكد أن الابن له كل ما للآب وأن الآب يعطي للابن كل سلطانه، وأن المسيح له المجد، الابن، هو الوحيد الذي يعرف الله الآب، بل ولا يعرف أحد حقيقية الابن ذاته إلا الآب، لماذا؟

(7) الفارق بين الابن وموسى النبي

وفي المقارنة بين موسى والابن، المسيح، يقول الوحي الإلهي: ” فَإِنَّ هَذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ. وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ. وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ ” (عب3: 3 -6). كان موسى النبي خادماً في عمل الله، أما المسيح، الابن، فهو كصاحب البيت لأنه أبن صاحب البيت وبالتالي له حق ملكية ما للآب. لأن الآب والابن واحد والابن من الآب وفي ذات الآب. فالابن هنا هو باني البيت، وهذا البيت هو نحن، أي مخلوقاته، وباني الكل، أو خالق الكل، هو الله، والمسيح، الابن، هو باني البيت، ومن ثم فقد كان موسى أمينا في هذا البيت والباني هو المسيح، ومن ثم فقد حسب لمجد أعظم من موسى باعتباره الابن على بيته (as he who hath builded)، الابن باني البيت الذي هو بيته، هو خالق البيت كما يقول الكتاب ” اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (أف3: 9)، وموسى أحد خلائق الله وبالتالي فهو مخلوق بواسطة المسيح، وقد جاء موسى لليهود بالناموس، وكان غاية الناموس هو المسيح: ” لان غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن ” (رو10: 4)، ” كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ” (غل3: 24).

(8) الفارق بين الابن والملائكة

وعندما يقارن الوحي الإلهي بين الابن والملائكة يقول: ” اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: ” أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ “؟ وَأَيْضاً: ” أَنَا أَكُونُ لَهُ أَباً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً “؟ وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ” وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ الله ِ”. وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: ” الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحاً وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ “. وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: ” كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ “. وَ” أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى”. ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: ” اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟” أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحاً خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ! ” (عب1: 1-14).

وهنا يقول الوحي الإلهي عن الابن:

1 – أنه ابنه ” الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ “؛ وكلمة ” في أبنه ” هنا حرفياً ” υἱός ἐν- huios en) وتعني ” في ابن – in a son “، متميز عن المخلوقات، متميز عن الملائكة والبشر، ابن الله الذي من ذات الله وفي ذاته، فهو الذي خلق العالمين، فكلمة ” كل شيء ” هنا هي في اليونانية ” παντων (بانتون – Pantwn) “، تعني كل الأشياء، وتساوي قول الرب يسوع المسيح نفسه: ” دفع إليّ كل (πασα) سلطان في السماء وعلى الأرض ” (مت28: 18). ” كل شيء (παντα) قد دفع إليّ من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت11: 27). مما يعني أن كل ما في الكون، كل شيء، خاضع للابن.

2 – ” الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ “، و ” عَمِلَ ” هنا تعني خلق، فماذا خلق؟ يقول ” الْعَالَمِينَ “؛ ويستخدم هنا تعبير ” αιωνας – aiwnas – aioonas – the worlds “، ومفردها ” آيون aiōn – aeon “، وتعني في اليونانية بصفة عامة عالم روحي، عالم مادي، دهر، عالم، أبدي، دائم، عالم يبدأ ولا ينتهي، وقد ترجمت في العهد الجديد ” عالم، دهر، أزل، وذلك حسب سياق الكلمة وقرينتها. إذاً فهو الخالق للكون بعوالمه المادية والروحية كما قال عنه الكتاب: ” فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو1: 16و17)، وأيضاً ” اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ ” (أف3: 9)، وأيضاً: ” لَكِنْ لَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ ” (1كو8: 6)، أو كما يقول القديس يوحنا بالروح: ” كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ ” (يو1: 10). إذا فهو وارث لما خلق، وارث للكون الذي خلقه هو.

3 – ” وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ “، تبدأ بقوله ” ὃς – hos – الذي ” وكلمة ” َهُوَ ” هنا: ” ὢν – oon – ōn ” وتعني: الكائن، وتعبر عن الكينونة ” who being “، والتي جاءت في الترجمة اليونانية السبعينية لخروج (3: 14): ” Ἐγώ εἰμι ὁ ὤν – أنا هو الكائن بذاتي – I am THE BEING “. فالضمير ” هو ” هنا ليس ضميراً في اليونانية بل اسم في صيغة اسم الفاعل ” الكائن ” لتأكيد الوجود الدائم كبهاء مجد الله. وكلمة ” بهاء ” هنا ” απαυγασμα – apaugasma “، وتعني ” سطوع وتوهج وإشعاع “. وتعبير ” بَهَاءُ مَجْدِهِ ” تعني أن الابن هو شعاع أو انبعاث النور من النور، أي أنه، الابن، في عظمته الجوهرية هو التعبير عن النور الإلهي، انعكاس نور الآب، أي إشعاع مجده، ضياء مجده كنور من نور.

4 – ويعني قوله: ” وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ ” The express image of his person “؛ الصورة المعبرة لذاته، شخصه الإلهي، فكلمة رسم هنا ” χαρακτηρ – charakteer ” وتعني: من نفس، الصورة المحفورة، صورة جوهره الدقيقة. وكلمة ” جوهره – τῆς ὑποστάσεως – hupostasis tees ” وتعني العبارة الصورة العبرة لكيان أو جوهر الله ” the very image (or impress) of his substance “. أي أن الابن هو صورة جوهر الله، الصورة المعبرة لذاته.

5 – ” وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ “، أي مدبر كل شيء، كما يقول الكتاب أيضاً: ” اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ ” (كو1: 17). وكلمة قدرته هنا تعني المسيح كلمة الله ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، “، وقوة الله ” فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ ” (1كو1: 24).

6 – الجالس في يمين العظمة في الأعالي: ” جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي ” (عب1: 3)، وكلمة ” جلس ” هنا هي ” εκαθισεν–ekathisen ” من الفعل ” καθίζω- kathizoo” ويعني ” أخذ كرسيه “. و ” في يمين ” هنا تعني المكان الأسمى ولا تعني تحديد مكان بل مكانه، لذا يكرر الكتاب تعبيرات ” وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّه ” جلوس الابن عن يمين أو في يمين الآب كما يكرر الرب يسوع المسيح نفسه هذا التعبير بقوله ” عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ ” و ” عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ ” و ” رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ ” و ” قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ ” و ” جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ ” مرات كثيرة، وكلها تعني الجلوس في اسمى مكان في السماء، في عرش الله:

V ” مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ ” (مت26: 64).

V ” وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِياً فِي سَحَابِ السَّمَاءِ ” (مر14: 62).

V ” ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّه ” (مر16: 18).

V ” مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ ” (لو22: 69).

V ” وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ سَكَبَ هَذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ ” (أع2: 22).

V ” لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُول: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي ” (أع2: 34).

V ” هَذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ رَئِيساً وَمُخَلِّصاً لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا ” (أع5: 31).

V ” وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ فَرَأَى مَجْدَ اللهِ وَيَسُوعَ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ ” (أع7: 55).

V ” هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللهِ ” (أع7: 56).

V ” مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً الَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اللهِ الَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا! ” (رو8: 34).

” الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ ” (أف1: 20).

V ” فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ ” (كو3: 1)

V ” وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ ” (عب8: 1).

V ” وَأَمَّا هَذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ ” (عب10: 12).

V ” نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ ” (عب12: 2).

V ” الَّذِي هُوَ فِي يَمِينِ اللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى السَّمَاءِ، وَمَلاَئِكَةٌ وَسَلاَطِينُ وَقُوَّاتٌ مُخْضَعَةٌ لَهُ.” (1بط3: 22).

7 – الأعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. فالملائكة هم ملائكته هو: ” يرسل ابن الإنسان ملائكته ” (مت13: 41)، ” فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت ” (مت24: 31)، ” فيرسل حينئذ ملائكته ” (مر13: 27)، ” أنا يسوع أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس. أنا اصل وذرية داود. كوكب الصبح المنير ” (رؤ22: 16).

8– ثم يقول بعد ذلك ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك. وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا “، وهذا الفارق بين الابن والملائكة يصور مدى وحقيقة هذه البنوة التي لم يوصف بها الملائكة، علماً بأنه سبق أن وصف الملائكة، كما بينا بأبناء الله، ولأن بنوتهم بنوة مجازية لذا لا يقال لهم قط ما قيل للابن الحقيقي والوحيد ابن الله.

9– ولأنه الابن الحقيقي لذا تسجد له جميع ملائكة الله ” وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله “، كما تسجد له جميع المخلوقات: ” لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب ” (في2: 9-11).

10– وفي المقارنة بين هذا الابن والملائكة يعطيه لقب الله “. وأما عن الابن كرسيك يا الله “. وهنا يقول عن الملائكة أنهم مخلوقون من ريح ونار ” الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار “!! أما الابن فيقول عنه ” كرسيك يا الله “!! أي أن المقارنة هنا هي مقارنة بين المخلوق والخالق الذي له لقب الله: ” الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة (حرفياً فوق كل خليقة). فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق ” (كو1: 15-17).

(9) شرح القديس أثناسيوس الرسولي لقوله: صائراً أعظم من الملائكة(6)

” في الرسالة إلى العبرانيين يقول الرسول: ” صائراً أفضل من الملائكة بمقدار ما قد ورث اسماً أكثر تميزاً عنهم ” (عب4: 1). ويقول بعد قليل ” من ثم أيها الأخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، ركزوا انتباهكم جيداً على رسول ورئيس كهنته اعترافنا يسوع، حال كونه أمينا للذي أقامه (عب1: 3،2). وفي سفر الأعمال ” فليعلم يقينا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً ” (أع36: 2).

” أن القول الرسولي إذن يشير إلى الزمن الذي فيه ” كلمنا بواسطة ابنه “. عندما قد صار تطهير خطايانا أيضاً. فمتى ” تحدث إلينا في شخص ابنه “. ومتى قد صار ” تطهير الخطايا “. ومتى قد صار إنساناً إلا بعد الأنبياء في الأيام الأخيرة؟ وبما أنه كان يقص قصة التدبير الخاص بكل منا. وكان يتكلم من الأزمنة الأخيرة. فإنه لا ينقطع عن ذكر أن الله لم يكف عن التحدث إلى الناس خلال الأزمنة الماضية، لأنه تحدث إليهم بواسطة الأنبياء. ولأن الأنبياء قد خدموا، والشريعة أعلنت بواسطة الملائكة (عب2: 2). والابن أيضاً نزل وجاء لكي يخدم (متى28: 20) لذا كان من الضروري أن يضيف: ” صائراً أعظم من الملائكة بمثل هذا المقدار ” رغبة منه أن يوضح أن الابن بقدر ما يختلف عن العبد بقدر ذلك صارت خدمة الابن أفضل من الخدمة التي يقدمها العبيد.

إذن. بعد أن ميز الرسول بين الخدمة قديما وبينها حديثاً فأنه يقدم لليهود كاتباً وقائلاً ” صائراً أعظم من الملائكة بمثل هذا المقدار “، لهذا فإنه لم يعقد مقارنة بينه وبين الكل (أي المخلوقات). بقوله أنه قد صار ” أعظم “. أو ” أكثر كرامة ” وذلك لكي لا يظن أحد بخصوصه وخصوصهم – أنهم أبناء جنس واحد. بل قد قال أنه ” أفضل ” وذلك لكي يكون معروفاً، اختلاف طبيعة الابن عن طبيعة المخلوقات… إذن، فلذلك فليست هناك علاقة قرابة بين الابن والملائكة وما دامت ليست هناك علاقة – فلهذا فإن كلمة ” أفضل ” لا تذكر للمقارنة، بل بحصافة وفطنة بسبب اختلاف طبيعة الابن عن طبيعة الملائكة. ونفس الرسول هو الذي فسر كلمة ” أفضل ” قائلاً أن هذا لا يكمن في شئ آخر بل في الفرق بين الابن والمخلوقات، كمن يقول أن هذا هو الابن، بينما المخلوقات هم العبيد. وكما أن الابن هو مع الآب ” جالس عن يمينه “. هكذا فإن العبيد يظهرون أمامه، ” ويُرسلون ويخدمون “.

” وبما أن هذه الأقوال مكتوبة هكذا … فأنه يستدل منها أن الابن ليس مخلوقاً، بل بالأحرى هو كائن آخر غير كل المخلوقات. فهو ابن ذاتي للآب كائن في أحضانه. لأن ما هو مكتوب أيضاً: ” صائراً ” لا يعنى أن الابن مخلوق مثلما تظنون أنتم. لأنه لو كان قد قيل ببساطة ” صائراً ” وسكت، لكان لدى الآريوسيين عذر، حيث أنه قد تكلم من قبل عن الابن موضحاُ من خلال كل الفقرة أنه كائن آخر غير المخلوقات. لهذا لم يدون ” صائراً ” بمعنى مطلق، بل ربط ” أعظم ” ب ” صائراً ” لأنه أعتبر أن هذا القول ليس مختلفاً. عالماً أن من يقول ” صائراً ” عن من يُعترف به أنه ابن ذاتي، كمن يقول عنه أنه قد صنع، وأنه ” أعظم ” ذلك لأن المولود لا يتغير، حتى وأن قيل عنه أنه قد صار، أو أنه قد صنع.

” إذن فإن كان الرسول قد قال ” أن الابن أرقى بكثير من الملائكة ” أو هو ” أعظم بدرجة أكبر ” لكان لكم العذر أن تقارنوا الابن بالملائكة. أما الآن فبقوله أنه ” أفضل ” وأنه يختلف بدرجة كبيرة بقدر ما يختلف الابن عن العبيد، فإنه يبين أنه مختلف عن طبيعة الملائكة.

ومرة أخرى، عندما يقول أنه هو ” الذي أسس جميع الأشياء ” (أنظر عب10: 1). يبين أنه مختلف عن جميع المخلوقات. وبما أنه مختلف تماماً في جوهره عن طبيعة المخلوقات. فأي مقارنة أو مضاهاة لجوهرة يمكن أن توجد بالمقارنة مع المخلوقات؟ لأنهم إن استعادوا – إلى ذاكرتهم من جديد شيئاً من هذا. فلا شك أن بولس سينفذها لهم عندما يقول: ” لأنه لم من الملائكة قال قط. أنت أبنى وأنا اليوم ولدتك ” (عب5: 1). ويقول عن الملائكة ” الصانع ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار ” (عب7: 1).

” فها هو ذا إذن يستخدم فعل ” يصنع ” عن المخلوقات وهو يقول عنها أنها مصنوعة. أما بخصوص الابن فلم يستخدم كلمة ” صنع ” ولا ” صيرورة ” بل يقول عنه أنه ” الأبدي ” و ” الملك “، وكونه الخالق عندما تكلم قائلاً: ” عرشك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب8: 1). ” وأنت يا رب في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك. وهي ستبيد ولكنك أنت ستبقى ” (عب10: 1،11). ومن هذه الكلمات يمكنهم أن يفهموا – إن كانوا يريدون – أن الخالق هو آخر غير المخلوقات. أما المخلوقات فهي شئ آخر غيره، وأنه هو الله. أما تلك المخلوقات فقد صنعت من العدم. لأن ما يقوله هنا ” هذه ستبيد “، لم يقله لأن الخليقة ستصير إلى زوال. بل لكي يبين طبيعة المخلوقات. من النهاية التي ستؤول إليها “. لأن تلك التي لها قابلية الهلاك، حتى وإن لم تكن هلكت بعد – بسبب فضل ذاك الذي خلقها – إلا أنها قد خلقت من العدم – مما يشهد بأن هذه الأشياء لم تكن موجودة يوماً ما. من أجل هذا إذن، حيث أن مثل هذه الأشياء لها مثل هذه الطبيعة فإنه يقال عن الابن القول ” أنت ستبقى “. لكي تتضح أبديته. لأنه حيث أنه ليس فيه إمكانية الفناء، كما يحدث للمخلوقات – بل له الدوام إلى الأبد، فليس ملائماً أن يقال عنه: ” لم يكن موجوداً قبل أن يولد “. فإنه هو نفسه الموجود دائماً، والدائم مع أبيه. وحتى لو لم يكن الرسول قد كتب هذا في الرسالة إلى العبرانيين إلا أنه في رسائله الأخرى. بل كل الكتاب المقدس يحول دون تخيل مثل هذه التصورات عن ” اللوغس – λογος “. وحيث أن الرسول كتب هذا. وكما قد أتضح من قبل. أن الابن هو مولود جوهر الآب، وأنه هو الخالق، وأن المخلوقات خلقت بواسطته. وأنه هو أيضاً ” البهاء “. و ” واللوغس – λογος ” و ” الصورة “. ” وحكمة الآب “. في حيث أن المخلوقات أحط من الثالوث. وهم يساعدون ويخدمون. ولذلك فإن الابن مختلف في النوع. ومختلف في الجوهر بالنسبة إلى المخلوقات. وبالأحرى فإنه هو من ذات جوهر الآب ومن نفس طبيعته لذلك فإن الابن نفسه لم يقل ” أبى أفضل منى ” حتى لا يظن أحد أنه غريب عن طبيعة الآب. بل قال ” أعظم منى ” (يو28: 14)، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فأنه حتى عندما يقال ” أعظم منى ” أظهر مرة أخرى أنه من ذاتية جوهره (الذاتي)(7).

” والرسول نفسه عندما قال ” صائراً أفضل من الملائكة بمثل هذا المقدار “. لم يقل هذا ليس لأنه أراد أولاً أن يقارن جوهر اللوغس (λογος) بالمخلوقات – لأنه لا يوجد وجه للمقارنة. أو بالأحرى فإن الواحد منهما غير الآخر تماماً. ولأنه وهو يرى ” حضور اللوغس (λογος) التجسدي ” إلينا، والتدبير الصائر منه عندئذ. فإنه يوضح أن اللوغس (λογος) ليس مشابها للذين سبقوا أن جاءوا قبله. وهذا لكي يوضح أنه بقدر ما يختلف هو (اللوغس – λογος) بحسب الطبيعة عن الذين أرسلهم قبله، بقدر ما كانت النعمة الصادرة منه وبه أفضل أعظم من خدمة الملائكة. لأن العبيد كانوا مختصين فقط بالمطالبة بالثمار وليس أكثر (متى34: 21). أما الابن والسيد فكان يحق له أن يصفح عن ديونهم وأن يسلم الكرم إلى آخرين.

هذا إذن الذي يذكره الرسول بعد ذلك، يوضح اختلاف الابن عن المخلوقات قائلاً: ” لذلك يجب أن نتنبه أكثر إلى ما سمعناه حتى لا نبتعد عنه. لأنه إن كانت الكلمة التي نطق بها ملائكة قد صارت ثابتة وكل تعد ومعصية نال جزاء عادلاً. فكيف ننجو أن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟ هذا الخلاص الذي بدأ الرب التحدث به، ثم تثبت من الذين سمعوه ” (عب1: 2-2). فإن كان الابن معدوداً واحداً من المخلوقات، لما كان أفضل منهم، ولما أختص من يعصاه بأعظم قدر من العقاب بسببه. لأنه في خدمة الملائكة لم يكن مسموحاً لأي واحد منهم أن يتمكن من معاقبة المخالفين سواء بأكثر أو بأقل، بل كانت الشريعة واحدة، وكان الحكم واحداً بالنسبة إلى المخالفين.

ولكن حيث أن اللوغس (λογος) ليس معدوداً بين المخلوقات بل هو ابن الآب، لذلك فبقدر ما كان هو أفضل، كلما كانت الأعمال الخارجة منه، أفضل ومغايرة، وكلما وجب أن تكون العقوبة أشد. إذن دعهم ينتظرون النعمة الممنوحة عن طريق الابن. وليدركوا هذا المشهود له بواسطة الأعمال أنه مختلف عن المخلوقات وأنه وحده الابن الحقيقي الذي في الآب، والآب فيه.

والشريعة نطق بها بواسطة ملائكة، وهي لم تكمل أحداً، بسبب احتياجنا إلى مجيء اللوغس (λογος) إلينا مثلما قال بولس (أنظر عب19: 7). أما مجيء اللوغس (λογος) فقد أكمل عمل الآب. (يو4: 17) وفي ذلك الوقت كان ” الموت قد ملك من آدم إلى موسى ” (رو14: 5) أما حضور اللوغس (λογος) فقد ” أبطل الموت ” (2تى 10: 1) ولم نعد بعد ” نموت جميعاً في آدم، بل في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو22: 15) وعندئذ كان ينادى بالشريعة من دان إلى بئر سبع. ” وكان الله معروفاً في اليهودية ” (مز1: 76) وحدها. أما الآن فقد ” خرج صوتهم إلى كل الأرض ” (مز4: 19). ” وقد أمتلأت الأرض من معرفة الله ” (أش9: 11). ” والتلاميذ تلمذوا كل الأمم ” (متى19: 28). واليوم تم المكتوب ” ويكون الجميع متعلمين من الله ” (يو45: 6، أش13: 54).

وفي ذلك الوقت كانت تلك الشواهد مجرد مثال، أما الآن فقد ظهرت الحقيقة نفسها. وهذا يفسره الرسول مرة أخرى بعد ذلك بشكل أوضح عندما يقول: ” على قدر ذلك قد صار يسوع ضامناً كعهد أفضل ” (عب22: 7) ومرة أخرى يقول ” ولكن يسوع الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط لعهد أفضل قد تثبت على تعهدات أفضل ” (عب6: 8)، و ” لأن الناموس لم يكمل شيئاً. ولكن يصير إدخال رجاء أفضل ” (عب19: 7) ويقول مرة أخرى ” فكان يلزم أن أمثلة الأشياء التي في السموات تطهر بهذه الأساليب، أما السماويات عينها فإنها تطهر بذبائح أفضل من هذه ” (عب23: 9). والآن إذن، فإن كلمة ” أفضل ” تشير كلية إلى الرب، الذي هو أفضل من سائر المخلوقات. ومميزاً عنها. ذلك لأن ذبيحته أفضل، والرجاء فيه أفضل. والوعود المعطاة بواسطته. ليست لمجرد مقارنتها كعظيمة أمام أخرى صغيرة، بل لكونها مختلفة عن الأخرى بحسب طبيعتها. لأن مدبر هذه الأمور هو ” أفضل ” من المخلوقات.

” وأيضاً قوله ” قد صار ضامناً “، أي الضمانة المعطاة منه لأجلنا. لأن اللوغس (λογος) قد ” صار جسداً “، فإننا نعتبر ” الصيرورة ” أنها تشير إلى الجسد، لأن ” الجسد مخلوق وهو مصنوع “. وهكذا أيضاً كلمة ” قد صار ” فإننا نفسرها بحسب مدلوها الثاني. وذلك بسبب صيرورته إنساناً. وعلى المعارضين أن يعرفوا أنهم ينزلقون بسبب سوء نيتهم هذه.

وليعرفوا إذن أن بولس الذي عرفه ” كابن ” و ” حكمة ” و ” بهاء ” و ” صورة ” الآب، لم يقصد أن جوهر ” اللوغس – λογος ” قد ” صار ” بل تعتبر ” الصيرورة ” هنا لخدمة ذلك العهد الذي كان فيه الموت سائداً يوماً، وهو قد أبطل هذا الموت.

وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضاً ” لأن ما كان الناموس عاجزاً عنه حينما كان ضعيفاً من ناحية الجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة ولأجل الخطيئة دان الخطيئة في الجسد ” (رو3: 8) نازعاً الخطيئة من الجسد. الذي كان أسيراً لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادراً على تقبل ” اللوغس – λογος ” فإنه خلقنا حتى ” لا نسلك بعد بحسب الجسد بل بحسب الروح “. ونقول ونكرر نحن ” لسنا في الجسد بل في الروح ” (رو9: 8)، وأن ابن الله جاء ” إلى العالم لا لكي يدين العالم ” بل لكي يفدى الجميع ” ويخلص به العالم ” (يو17: 3). لأنه سابقاً إذ كان العالم – كمسئول – وكان يدان بواسطة الناموس. أما الآن فإن اللوغس (λογος) أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد. وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً ” الناموس بموسى أعطى. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا ” (يو17: 1). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل “.

” إذن. فإن ” الأفضل ” – كما سبق أن قيل، لم يكن ممكنا أن يصير بواسطة أي شخص آخر بل بواسطة الابن ” الجالس عن يمين أبيه “. وما الذي يعنيه هذا سوى أصالة الابن وأن ألوهية الآب هذه إنما هي ألوهية الابن؟

فإن الابن وهو مالك ملكوت الآب، فإنه يجلس في ذات العرش مع الآب، ونراه مرتبطاً بألوهية الآب. إذن فاللوغس (λογος) هو الله، و ” الذي يرى الابن يرى الآب ” (يو9: 14). وهكذا فهو إله واحد.

إذن فبجلوس الابن عن اليمين، لا يعنى بذلك أن الآب على يساره بل يعنى أن ما يكون يميناً وكريماً في الآب، فهذا أيضاً يكون للابن. وهو يقول ” كل ما هو للآب فهو لي ” (يو15: 16). ولذا فإن الابن وهو جالس على اليمين يرى الآب نفسه على اليمين، بالرغم من أنه بصيرورته إنساناً يقول ” أنى أرى الرب أمامي في كل حين، أنه عن يميني لكي لا أتزعزع ” (مز8: 16). وهذا يوضح أيضاً أن الابن في الآب، والآب في الابن (أنظر يو10: 14)، ولكون الآب على اليمين يكون الابن على اليمين. ومثلما يجلس الابن على اليمين يكون الآب في الابن. والملائكة يخدمون صاعدين ونازلين.

أما عن الابن فيقول ” ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب6: 1). عندما تقوم الملائكة بالخدمة يقولون ” أرسلت (بضم الألف) إليك ” (لو19: 1). ” الرب قد أوصى ” (أنظر مز11: 91).

أما الابن فإنه يقول وهو في الصورة البشرية: ” الآب قد أرسلني ” (يو36: 5) وإنه ” أتى لكي يعمل ” (يو36: 5) ولكي ” يخدم ” (يو36: 5) إلا أنه لكونه ” اللوغس – λογος ” و ” الصورة ” يقول ” أنا في الآب والآب في ” (يو10: 14)، ” ومن رآني فقد رأى الآب ” (يو9: 14) ” والآب الحال في هو الذي يعمل الأعمال ” (يو10: 14). لأن الأشياء التي نراها في تلك الصورة، فهذه هي أعمال الآب. إن ما سبق أن قيل كان ينبغي أن يخجل الذي يصارعون ضد الحق. ولكن إن كانوا بسبب ما كتب ” صائراً أفضل ” يرفضون أن يفهموا أن ” صائراً ” إنما تقال عن الابن في حالة صيرورته إنساناً. أو تقال عنه بسبب الخدمة الأفضل التي صارت بالتجسد، كما قلنا. بل يفهمون بهذه العبارة أن اللوغس (λογος) مخلوق، فليسمعوا مرة أخرى بإيجاز هذه الأقوال لأنهم قد نسوا ما كان قد قيل.

” لأنه لو كان الابن يحسب من بين الملائكة، واستعملت كلمة ” صائراً ” عنه كما عن الملائكة. وإن كان لا يختلف عنهم في شئ بحسب الطبيعة: ففي هذه الحالة، أما أن يكون الملائكة جميعاً أبناء، أو يكون هو ملاكاً. وهكذا فإما أن الجميع يجلسون عن يمين الآب، أو أن يقف الابن مع الملائكة ” كأحد الأرواح الخادمة المرسلة للخدمة ” (عب14: 1) مثله مثل الملائكة.

ولكن من الجهة الأخرى. إن كان بولس قد ميز بين الابن والمخلوقات قائلاً ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت أبنى ” (عب5: 1). لأن الابن قد خلق السماء والأرض، أما الملائكة فإنهم قد خلقوا بواسطته، هو يجلس مع الآب، أم هم فيقفون ويخدمون، فلمن لا يكون واضحاً أنه لم يستعمل ” صائراً ” عن جوهر اللوغس – λογος، بل عن الخدمة الصائرة منه؟.

فكما أنه لأنه ” اللوغس – λογος ” قد ” صار جسداً “، فإنه حينما صار إنساناً، فإنه في خدمته ” قد صار أفضل بمثل هذا القدر ” من الخدمة الصائرة من الملائكة. وبقدر ما يختلف الابن عن العبيد، والخالق عن المخلوقات هكذا فليكفوا عن اعتبار كلمة ” صائراً ” أنها عن جوهر الابن، لأن الابن ليس من بين المخلوقات، وليعلموا أن ” صائراً ” إنما تشير إلى خدمته، والتدبير الذي صار فعلاً.

أما كيف قد صار أفضل في الخدمة، إذ هو أفضل بالطبيعة عن المخلوقات فهذا يثبت مما سبق أن قلناه، وأعتقد أنه يكفي لتخجيلهم. ولكنهم أن استمروا في إنكارهم، ففي هذه الحالة يكون من المناسب أن نقاوم جسارتهم المتهورة، ونعارض أولئك بنفس الأقوال التي قيلت عن الآب ذاته. وهذا يؤدى أما إلى تخجيلهم لكي يكفوا ألسنتهم عن الشر، وأما أن يعرفوا إلى أي مدى سحيق “.

ونختم موضوعنا هذا بالآيات التالية:

فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ … كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً … َللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ” (يو1: 1-18).


(6) عن كتاب ” المقالة الأولى ضد الآريوسيين “، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة أ. صموئيل كامل عبد السيد ودكتور نصحي عبد الشهيد. من ص 126 إلى 142. أما كلمة لوغوس بحروفها اليونانية (λογος) فقد وضعناها نحن لتوضيح معناها الأصلي المترجمة عنه.

(7) في مواضع أخرى من المقالات الأربعة فسر القديس أثناسيوس هذه الآية وآيات أخرى مشابهة بمعنى أن الآب أعظم من جسد الابن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: